يبدو رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري أو «الأستاذ» كما يحلو لأنصاره ولفئة كبيرة من اللبنانيين مناداته، سيد اللعبة بامتياز في المشهد اللبناني الراهن، إلى درجة عجزت معها «هجمة» الموفدين الدوليين على لبنان عن الانتقاص من وهج صورته أو من حضور مبادرته، لا بل أن «الأستاذ» تمكن بحنكته وقوة حجته، إلى جانب صوته الجهوري، من جعل الموفدين الدوليين.. والعرب، أسرى هذه المبادرة، ما حمل عودة السفير السعودي عبدالعزيز خوجة إلى لبنان ، معززاً مكرماً بعد أن كان مهدداً.

وصحيح أن «الأستاذ» هو الـ «تلميذ النجيب» لمؤسس حركة «المحرومين ـ أمل» ورئيسها الأول الإمام موسى الصدر الذي ألتفت يوما حول شخصه القيادات اللبنانية على اختلاف مشاربها ومضاربها، وكذلك القيادات الفلسطينية خلال العصر الذهبي لـ «دولة» منظمة التحرير في لبنان، إلا أن نبيه بري هو، قبل ذلك ومن بعده، تلميذ المدرسة الوطنية اللبنانية الذي تخصص بها إلى درجة «الأستاذية».

وهو إلى جانب المكانة التي تضعه فيها سدة رئاسة البرلمان، المؤسسة الأولى المعنية باللعبة الديمقراطية، ربما يكون أكثر من استوعب دروس الحرب الأهلية الماضية، فأتقن قراءة المواقف الخارجية بقدر ما أتقن سبل المحافظة على شعرة معاوية في الداخل، فأدرك أن عزل طرف لبناني للآخر ثمنه الانتحار، ليستمتع واثق الخطوة بلعبة السير على الحبال وبين قطرات المياه استمتاع الفنان بتحريك حبال دماه المتحركة.

وإذا كان الحق يقال بأن الفضل يعود لقدرة «حزب الله» على الضبط والانضباط في عدم انتشار الفوضى في الشارع اللبناني في المرحلة السياسية الراهنة، فمن الأولى الاعتراف بأن الفضل الكبير يعود إلى قدرة «الأستاذ» وأسلوبه في إدارة اللعبة السياسية المحلية وتوظيفها في خدمة المساعي الخارجية، وتوظيف المساعي الخارجية في خدمتها، بما يحول دون وصول جميع المعنيين بهذه «اللعبة»، داخليا وخارجيا، إلى حدود اليأس، ويكفي «الأستاذ» فخرا أنه يحمل حاليا رايتين، أولاهما راية الالتحام المصيري بين حركة «أمل» و«حزب الله».

والراية الثانية هي راية الحوار مع الجميع وبالنيابة عن الجميع، وطبعا من دون أن يقطع الشعرة .. شعرة معاوية مع الرئاسة الثالثة المتمثلة برئيس الحكومة فؤاد السنيورة أو مع رئيس الأكثرية «الشاب المبتدئ المرشح لاكتساب الخبرة السياسية» سعد الحريري، ولذلك فلا ضير عنده، وبموازين «اللعبة» اللبنانية، إن كاد يقطع هذه الشعرة مع رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي النائب وليد جنبلاط.

أما اليوم فإن الوجه الآخر لـ «الأستاذ» هو «المبادرة»، وإن كان يصح وصفها بـ «اليتيمة» لحل الأزمة السياسية الراهنة في لبنان، فإنها أصبحت على كل شفة ولسان كونها بصيص الأمل الوحيد الذي ينقشع أمامه الضباب الذي يلف الأزمة اللبنانية مع اقتراب حلول موعد المهلة الدستورية لانتخاب رئيس جديد للجمهورية اللبنانية، والتي تنتهي حكما في الخامس والعشرين من أكتوبر المقبل.

وثقة نبيه بري بمبادرته تنبع من إدراكه أن قيمتها العالية تكمن في كونها تشكل مدخلا لتأجيل الأزمة الداخلية المتشابكة مع أزمة منطقة الشرق الأوسط وليس حلها، فهو يدرك بخبرة «الخابز والعاجن» للجالسين أمامه في المقاعد تحت قبة البرلمان والذين انكشفت أمامه أوراق التجاذب فيما بينهم، أن تنازلاتهم، أكثرية ومعارضة، آتية لا ريب فيها أمام «كلمة السر» أو «أمر اليوم» الخارجيين حين يحل اليوم الموعود، لأن لا الأكثرية ولا المعارضة تملكان القدرة على اجتراح حل لأزمة المنطقة فيما كلاهما محكوم بالحل الداخلي.

ف«الأستاذ» الذي أبدى تفاؤله بالحل الداخلي أكثر من مرة يعلم علم اليقين أن الحضور البارز لقوى الأكثرية في المؤتمر الصحافي الذي عقده رئيس حركة التجدد الديمقراطي نسيب لحود لا يعني بالضرورة أن الأكثرية قد حسمت أمرها تجاه كونه مرشحها لأنها، وبكل بساطة، لم تعلن ذلك رسميا، وكذلك فإن المعارضة التي تلوح بالتقدم وفق قاعدة «العين بالعين والسن بالسن والحكومة بالحكومة والرئيس بالرئيس والبادئ أظلم» لم تحسم أمرها أيضا باتجاه رئيس التيار الوطني الحر ميشال عون كمرشح للمعارضة كونها،.

وبالبساطة ذاتها، لم تعلن ذلك رسميا، فنبيه بري بخبايا الداخل المكشوفة أمامه وبمعرفته لما يدور في الخارج عبر تماسه مع مساعي الموفدين، يدرك أن التوافق على تنفيس الاحتقان الداخلي أصبح أمرا قائما لأن أي تغيير في الوضع السياسي اللبناني المعلق لا يمكن أن يحصل إلا بفعل رياح خارجية إقليمية كانت أم دولية.

ولذلك فإن حصول الانتخابات الرئاسية لن يقدم أو يؤخر في الأزمة الراهنة بل سيعمل على تأجيلها لمدة سنتين في انتظار الانتخابات النيابية الموعودة في العام 2009 والتي يمكن معها فقط تغيير المعادلات وموازين القوى الداخلية في ضوء نتائج التجاذب الإقليمي ـ الدولي الذي تشهده المنطقة اليوم.

لكل ذلك ولأن الغيوم التي تحجب الرؤية عن الآخرين تنقشع أمام ملكة الاستشعار عن بعد التي أمتلكها «الأستاذ» عبر الزمن، فإن نبيه بري ماض في آلية العملية الديمقراطية لانتخاب الرئيس اللبناني العتيد، وانتهاء المهلة الدستورية للانتخاب لن يوقفه عن الدعوة إلى جلسات لانتخاب الرئيس عملا بالدستور اللبناني الذي يقول إن يستمر رئيس المجلس النيابي في الدعوة إلى جلسات الانتخاب حتى ما بعد انتهاء المهلة طالما بقي مقعد الرئاسة شاغرا.

وفي إعلانه عن مضيه قدما في اللعبة الديمقراطية، يكشف «الأستاذ» والمحامي الضليع اليوم، عن صفة «الصبر» التي يملكها إلى جانب «التفاؤل»، وهي صفة تمنحه، وتمنح لبنان، حق الانتظار بترقب عما سيسفر عنه امتحان الضغط والاستفزاز الأميركي ـ الإسرائيلي الأخير لسوريا وسط المساعي التي يقرؤها نبيه بري جيدا.

والجارية على قدم وساق، لإنجاز توافق أميركي ـ فرنسي ـ سعودي ـ إيراني يجمد الموقف السوري وينقل لبنان بسلام إلى مرحلة ما بعد انتخابات الرئاسة، قبل أن يستأنف مسار التوجه بركب سوري هذه المرة، في درب المؤتمر الموعود للدخول مجددا في مفاوضات السلام في الشرق الأوسط.

كاتب لبناني

ghassan.habbal@albayan.ae