فجأة قفزت درجة حرارة الملف النووي الإيراني، إلى مستوى غير مسبوق. قفزة أشاعت جواً يوحي بأن الحرب تكاد تكون على الأبواب. التصعيد ليس لغة غريبة عن هذا الموضوع الملتهب منذ أكثر من ثلاث سنوات. لقد شهد الملف خلالها وصلات ومر بمحطات ساخنة. الجدل حوله محتدم، وكان باستمرار مفتوحاً على التعقيد والانسداد؛ بالرغم من بوادر الحلحلة التي عرفها.

لكن التسخين الذي بلغه في اليومين الأخيرين كان من العيار، الذي يحمل على الاعتقاد بأن هذه القضية دخلت «منطقة الخطر»، أو هي على الأقل عند تخومها. ولا يعود ذلك إلى نبرة الخطاب فقط؛ وإنما أيضا إلى الجهة الصادر عنها.

فلأول مرة تنطق جهة أوروبية، وبالتحديد فرنسا، بلغة التلويح بالحرب؛ وبهذه الصراحة. والملفت أكثر أن الكلام نفسه تكرر في يومين على لسان اثنين من كبار المسؤولين الفرنسيين. وزير الخارجية كوشنير ذهب إلى حد عدم استبعاد حصول مواجهة عسكرية مع طهران؛ إذا ما واصلت العمل ببرنامجها النووي.

وفي اليوم الثاني عاد رئيس الحكومة فرنسوا فيون وجدد التحذير وبعبارات لا لبس فيها، عندما قال: إن «على إيران أن تفهم بأن التوتر على أشده». بل هو «بالغ الشدة»؛ متبنيا كلام وزير خارجيته في هذا الخصوص.

التصعيد غير الاعتيادي هذا لا يزال يتفاعل، وقد أثار موجة عاصفة من ردود الفعل. أشدها كان من إيران، وموسكو التي سارعت إلى التحذير من اللجوء إلى الحل العسكري.

روما أيضاً، أخذ ردها طابع التنبيه من مغبة مثل هذا الخيار.أما واشنطن فبقيت ترقص حول لحنها المعروف: الأولوية للحلول الدبلوماسية لكن كل الخيارات على الطاولة.

وما زاد المخاوف أن الكلام الفرنسي جاء على خلفية وقوع خلافات قوية داخل وكالة الطاقة الذرية، بشأن النووي الإيراني، أدت إلى انسحاب مديرها محمد البرادعي من قاعة الاجتماع. وفي هذا السياق أيضا، جاء تصريح لمسؤول روسي، يفيد بأن موسكو لا تستبعد إجلاء خبرائها من مفاعل بوشهر الإيراني؛ في ظل هذه الظروف.

الخلاصة إن قنبلة كوشنير تركت أصداء واسعة ودفعت بسيناريو الحرب إلى الواجهة؛ ولو أن الوزير عاد وصب بعض الماء البارد على تصريحه. وحسناً فعل. فهذا الملف يلزمه المزيد من التبريد؛ ومن جانب كافة المعنيين به. لا هو يحتمل المزيد من الغليان؛ ولا المنطقة قادرة على احتمال المزيد من التأزيم. وليس ثمة من لا يدرك بأن وصول الأمور إلى دائرة المواجهة العسكرية لا يخدم أي طرف. تجربة العراق، دروسها واضحة ومعروفة مجاناً لمن يريد أن يقتدي.

الاتحاد الأوروبي ومن ضمنه فرنسا كان سباقاً إلى طرح الحوار كسبيل لمعالجة النووي الإيراني، رفض التخلي عن هذا الخيار بالرغم من التعثر. كما كاد أن يصطدم أحياناً مع واشنطن، بسبب إصراره على ابداء اللازم من المرونة؛ لبلوغ صيغة حل مع طهران. واليوم حري به العودة إلى الحوار الذي أطلقه مع إيران.

هناك شبه إجماع حول هذه الوسيلة ووجوب اعتمادها كمدخل لمعالجة هذا الملف؛ الذي يقتضي التسلح بالكثير من الليونة والانفتاح والابتعاد من جانب كل الأطراف، عن خطاب التهويل والتلويح بالحرب والصواريخ والطائرات، فالموضوع حساس ودرجة الاحتقان عالية. وفي هكذا ظروف أي خطأ يمكنه أن يؤدي إلى كارثة.