تواجه الأمة الإسلامية وفي القلب منها أمتنا العربية من المحن والتحديات الخارجية والداخلية ما يستوجب في شهر الصبر والنصر وقفة جماعية مع النفس لتجاوز مأزقها الراهن إلى واقع جديد، وقفة تحديد لأسباب ما تعانيه من وهن في الإرادة، ومن تخلخل في الصفوف ومن ضعف تأثير على المسرح الدولي، بما ساعد على اختراق جسد الأمة بالاحتلال المباشر، وتدويل معظم قضاياها، والتدخل السياسي السافر والضغط الاقتصادي والتهديد المباشر على أكثر من بلد عربي وإسلامي.

فحال الأمة الآن من فلسطين إلى العراق ومن الصومال إلى أفغانستان بما فيه من انتصارات وانكسارات، ووحدة وفرقة، وضعف وقوة يجب أن يظل شغلنا الشاغل حتى نعود إلى استعادة ذاتنا باستعادة إيماننا ووحدتنا وقوتنا، وامتلاك أسباب عزتنا ونهضتنا وكرامتنا، ليبقى السؤال..كيف يمكن للأمة أن تعبر مما هي فيه إلى ما تتطلع إليه، وكيف يمكنها تحويل المحن إلى منح.. ؟

وحين جمعني لقاء رمضاني مع الأستاذ الدكتور الأحمدي أبو النور وزير الأوقاف والشئون الإسلامية المصري السابق طرحت عليه هذا السؤال الذي يلح على ذهني مثلما أظن أنه يلح على أذهان كبار العلماء والمفكرين.

لخص المسألة في كلمة واحدة هى «الإيمان»، مصداقا للحديث الشريف القائل إنما تنصرون بإيمانكم»، ومن خلال الحوار الممتد خرجت بتيجة تقول.. إن قوة إيمان أبناء الأمة هو شرط قوتهم المعنوية والمادية، وسر انتقالهم من بداوة الصحراء إلى حضارة النور التي أضاءت عصور الظلام في أوروبا، ومن قوتهم المحدودة إلى الانتصار على القوتين العظميين في عالمهم والصعود إلى مرتبة القوة العظمى الأولى في عصرهم الزاهر.

وهو أيضا سر قوة صمودهم أمام التحديات وصبرهم على النوازل وسلاحهم الأمضى في الانتصار في كل معاركهم الكبرى التي انتصروا فيها في تاريخهم القديم سواء في «بدر» أو في العاشر من رمضان عند فتح مكة، وفى تاريخهم الحديث في العاشر من رمضان لتحرير أرضهم والتي كانت «بدر» هي كلمة السر فيها، ولم يهزم المسلمون في تاريخهم إلا حين تفرقوا وتنازعوا وضعفوا بضعف إيمانهم.

أما ما نبه إليه العالم الكبير هو أن العظيم في الأمة الإسلامية أن الهزائم التي مرت بها لم تصبها في إيمانها.. ومن هنا نقرأ في القرآن الكريم «وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثيرون، فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا» يتحدد أمران ينبغي على الأمة أن تأخذ بهما في أوقات محنتها حتى تعبر من المحنة إلى المنحة، وحتى تتبدل الهزيمة بالنصرة..

الأول:هو تقوية الضعف الإيماني والمادي والنفسي وعدم الاستسلام، مصداقا لما أشارت إليه الآية « فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله» لا نفسياً ولا إيمانياً.. «وما ضعفوا» لا سياسيا ولا عسكرياً ، «وما استكانوا» أي ما استسلموا لإرادة العدو.

والثاني: هو المبادرة إلى تحليل أسباب الهزيمة، والتخطيط لتوفير متطلبات النصر، و ممارسة النقد الذاتي وتحديد الأخطاء، وطلب المغفرة من الله عن التهاون في الإعداد لأسباب القوة،مصداقا للآية الكريمة «وما كان قولهم إلا أن قالوا ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا».. ثم شحن النفوس بالأمل والعمل على اجتياز المحنة.

ومعاهدة الله على أن العمل ليلاً ونهاراً للقوة بدل الضعف، والوحدة بدل الفرقة، للتقدم بدل التخلف، و للإعداد الجيد للفرد والمجتمع والأمة، ليكونوا أهلاً ليبدلهم الله من بعد خوفهم أمناً وليزيل عنهم الغاشية التي أفادوا منها للبناء لا للهدم وللأمل لا لليأس.

إنها دعوة للأمة لتحليل أسباب ما هي فيه، و العمل على تلافيه ومعالجة عوامل الفرقة والخلاف والنزاع الدافع للتوتر والانقسام، ودعوة للوعي بأن المسلم لا يركع لغير الله ولا يخضع إلا لأمر ربه.

و للعمل على امتلاك أسباب القوة العلمية والاقتصادية والاجتماعية التي تفرض الاحترام، لأننا نعيش عصر الوحدة وعصر القوة، ولن يعيرنا الغرب ولا الشرق التفاتاً إلا إذا كنا موضع احترامه، ودعوة للأمة بعدم اليأس والقنوط أو الرضا بالهوان والسباحة في بحر الأحزان، مصداقا لقوله تعالى «ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون»

.. بإيمانكم وعلومكم وعملكم.