تصادف هذه الأيام ذكرى مرور عامين على الانسحاب الإسرائيلي من قطاع غزة (سبتمبر 2006)، الذي يعدّ وبحقّ، وبرغم كل ما يشوب هذا الانسحاب من التباسات ومشكلات، إنجازاً تاريخياً للشعب الفلسطيني وحركته الوطنية، المشكلة أن هذه المناسبة تحلّ في ظروف يجري فيها تبديد هذا المكسب، بفعل التصارع بين حركتي فتح وحماس، وبواقع الانقلاب الحماسي على النظام السياسي الفلسطيني، وبحكم الانقسام الجغرافي والسياسي والديمغرافي الحاصل في الساحة الفلسطينية، بين الضفة وقطاع غزة.

من ذلك يبدو أن إسرائيل استطاعت وبفضل فوضى الفلسطينيين وخلافاتهم وتنافساتهم الضيقة أن تحول هزيمتها، أو عدم قدرتها على السيطرة، في قطاع غزة، إلى مكسب لها، وأن تحول انسحابها منه من إنجاز للفلسطينيين إلى شرك لهم، ذلك فهي استطاعت، على المستوى الداخلي، تجاوز حال التوتر والأزمة والانقسام الناجمة عن الانسحاب، وتصدير كل ذلك إلى الجانب الفلسطيني!

ومن تفحّص تجربة العامين الماضيين يبدو أن الفلسطينيين ليس فقط لم يستطيعوا البناء على الإنجاز المتحقّق، في انسحاب إسرائيل من قطاع غزة، وتوسيعه وتطويره، باتجاه تحقيق حلم الدولة الفلسطينية المنشودة، وإنما هم لم يستطيعوا حماية هذا الإنجاز.

الأنكى أن الانسحاب الإسرائيلي من قطاع غزة نقل الحركة الوطنية الفلسطينية من مجال التصارع مع إسرائيل إلى مجال التصارع الداخلي، ومن مجال حل الخلافات بوسائل الحوار، إلى مجال حسم الخلافات عبر الاقتتال وبقوة السلاح!

وبدل أن يصبح قطاع غزة بوابة الفلسطينيين إلى الحرية والاستقلال إذا به يتحول إلى أنشوطة لخنق الفلسطينيين، من خلال تشويه صدقية قضيتهم، وتقويض شرعية كفاحهم.

وعوضا عن أن يصبح القطاع باعثا للكيانية الفلسطينية المستقلة إذا به يصبح معضلة لهذه الكيانية ومدخلا لتقسيمها وتقويضها. وبينما كان من المفترض أن يكون القطاع أنموذجا للديمقراطية والتعددية والتنوع في الساحة الفلسطينية إذا به يصبح مرتعا للشمولية والهيمنة السلطوية على كل مجالات الحياة!

ومشكلة الفلسطينيين، في الصراع الجاري والضاري فيما بينهم على السلطة في قطاع غزة (والضفة)، أنهم يتصارعون على سلطة مقيدة ومحددة وجزئية، كما قدمنا، في وضع تسيطر فيه إسرائيل على مختلف شؤون الحياة الأساسية، ولاسيما بالنسبة للشؤون السيادية (الأمن والعلاقات الخارجية والمعابر والمواد الأساسية).

وفي كل ذلك فقد فات الفلسطينيين أن إسرائيل توخّت من انسحابها الأحادي من قطاع غزة تحويل القطاع إلى مجرد معتقل كبير، تضيّق عليه من كل جانب، وأنها إنما توخّت ترك الفلسطينيين لخلافاتهم وتناقضاتهم، وأنها رمت إلى تجويف الحركة الوطنية الفلسطينية، وإضعاف مصداقيتها داخليا وخارجيا.

بالنسبة لوقائع هذه التجربة، وبعد ثلاثة أشهر من الانسحاب من قطاع غزة، فقد استطاعت حركة حماس أن تحصد أكبر عدد من المقاعد في انتخابات المجلس التشريعي الفلسطيني، التي جرت في يناير 2006.

لكن مشكلة حماس أنها حاولت التسرع في تجيير هذا الإنجاز لصالح شطب المرجعيات والشرعيات الفلسطينية الأخرى (رئاسة السلطة ـ منظمة التحرير الفلسطينية)، بدل التكامل معها وتطويرها. كما إنها حاولت شطب المرحلة السابقة من النضال الفلسطيني، وإحلال برنامجها مكانه، بدل البناء على التجربة الفلسطينية السابقة، وإغناء تراثها.

وبعد تجربة الانتخابات استمرت «الحرب الصاروخية»، التي توخّت جعل قطاع غزة بمثابة منطقة /قاعدة لتحرير فلسطين، من دون دراسة متبصرة للعواقب التي يمكن أن تنجم عن ذلك على مليون ونصف مليون فلسطيني في قطاع غزة، يعتمدون في كل شيء على إسرائيل، من مصادر الماء والكهرباء والمازوت والبنزين، ومجمل المواد التموينية، إلى المعابر، والتسهيلات التجارية. وفوق كل ذلك جرت عملية أسر الجندي الإسرائيلي جلعاد شاليت (يونيو 2006) لتفاقم من مأساة الحصار التي يتعرض لها الفلسطينيون في قطاع غزة.

لم تبق الأمور عند هذا الحد إذ توّج الشقاق بين طرفي السلطة، بقيام حركة حماس بحسم الوضع عبر الانقلاب على السلطة وعلى الانتخابات، وفرض سيطرتها بالقوة على قطاع غزة (يونيو 2007)، الأمر الذي أدخل القطاع ومعه الساحة الفلسطينية (الشعب والقضية والحركة الوطنية) في المجهول.

وقد فات حماس أن هذا الانقلاب، بالتداعيات التي يولدها في الساحة الفلسطينية، هو بالضبط ماكانت تأمله إسرائيل لدى تفكيرها بالانسحاب من قطاع غزة. وأن هذا الانقلاب يكرس الانقسام والخلاف والفوضى في الساحة الفلسطينية.

وغاب عن حركة حماس أنها بانقلابها هذا تفقد شرعيتها الفلسطينية، وأن الواقع العربي والدولي لا يمكن أن يتعاطى معها، وأنها بذلك تسهم في تبرير مساعي إسرائيل لتشديد حصار قطاع غزة، والتملص من كل استحقاقات التسوية مع الفلسطينيين.

إضافة إلى كل ما تقدم فإن حركة حماس أخفقت في عدة مجالات، فهي لم تستطع تحقيق التوازن بين كونها حركة سياسية أم حركة دينية، في مجمل إدارتها للوضع في غزة.

وفي عديد من الإيحاءات والتصريحات الصادرة عن قيادييها، خصوصا بشأن انتهاء زمن العلمانية، والعودة إلى الشرعية الدينية، خصوصا أن هكذا تصريحات تنم عن ضحالة فكرية، خصوصا أن العلمانية، تقضي بالفصل بين الديني والدنيوي، وعدم الخلط بينهما، وعدم تشويه الديني أو المقدس بالدنيوي أو بالشخصي، من دون أن يعني ذلك عداءً للدين بذاته. كما أن هكذا تصريحات تضعف المحتوى الوطني لحركة حماس، لصالح كونها مجرد حركة دينية.

كذلك فإن حماس لم تستطع أن تحافظ على مكانتها كحركة مقاومة بعد أن صعدت إلى السلطة باعتبارها كذلك (بين عوامل أخرى)، هكذا فإن هذه الحركة دخلت إلى المربع الحرج الذي عانت منه حركة فتح (غريمتها) سابقا، كونها عندما استلمت السلطة، وتقيدت بقيودها، لم تستطع الحفاظ على وضعها كحركة مقاومة. وهكذا فإن حماس تبدو اليوم أكثر التزاما بتحقيق الهدنة أو التهدئة للحفاظ على مكانتها في السلطة، فما الذي يميزها عن فتح؟!

أما في امتحان الديمقراطية، فقد فشلت حماس كحركة سياسية إسلامية في إشاعة الثقة بشأن امكان تحول الحركات الإسلامية إلى الديمقراطية، التي تتضمن احترام الرأي الآخر، واغناء التنوع والتعددية في المجتمع، والقبول بمبدأ المشاركة ومبدأ تداول السلطة.

طبعا عندما نتحدث عن محصلة تجربة الانسحاب الإسرائيلي من قطاع غزة، بعد عامين، فإننا نتحدث خصوصا عن تجربة حماس تحديدا، لأن هذه التجربة هي بمثابة تجربة خالصة لحماس في القيادة والسلطة،.

ولأن هذه التجربة هي الأولى بالنسبة لهذه الحركة. لكن ذلك لا يعني أن حركة فتح لا تتحمل مسؤوليتها الخاصة في هذا المجال، فهذه الحركة مسؤولة عن مآل العمل الوطني الفلسطيني، ومن ضمن ذلك فهي مسؤولة عن صعود حركة حماس، وعن تخبط التجربة السياسية لهذه الحركة، وعن ضعف التعددية والمشاركة والشرعيات السياسية في الساحة الفلسطينية.

كما أنها بالأساس مسؤولة عن ترهل بنيتها وتدهور أوضاعها، وفشل الخيارات التي أخذتها على عاتقها، في المفاوضة والانتفاضة وفي التسوية وتجربة بناء الكيان.

للأسف تلك هي محصلة التجربة الفلسطينية في قطاع غزة بعد عامين على انسحاب إسرائيل، وفي ذلك أثبت الفلسطينيون الادعاءات الإسرائيلية بشأن ضعف قابليتهم للديمقراطية وتدني أهليتهم لإدارة أوضاعهم وعدم نضجهم للاستقلال.

هكذا بات الشغل الشاغل للفلسطينيين، اليوم، حل الخلاف بين فتح وحماس، وترشيد دور حماس في الحركة الوطنية وصد النزعات «الطالبانية» فيها، وأيضا محاولة ترميم ما حصل، عبر إعادة الاعتبار للقضية الفلسطينية، وحركة التحرر الفلسطينية، بعد التشوه الذي لحق بهما.

كاتب فلسطيني