جورج بوش ليس من الأشخاص الذين يتمتعون بشعبية كبيرة. فلننظر إلى ردة الفعل الغاضبة التي ظهرت مؤخراً من كل نقاد بوش على قوله إن الانسحاب من العراق الآن يمكن أن يتسبب في عواقب وخيمة مثل تلك التي تسبب فيها الانسحاب من فيتنام. فقد صرح المؤرخ روبرت دالك والغضب يتملكه: «الأمر بالفعل يربك ذهني. فتشويه الحقائق الذي أسمعه الآن يأتي من رئيس الجمهورية». في حين وصف النائب الجمهوري جون مورثا ما قاله الرئيس بأنه «عبارات طنانة مضللة».
ما الذي قاله بوش وتسبب في حالة الغضب العارمة هذه؟
دعونا نبدأ من اليسار المتشدد. فاليساريون يكرهون جورج بوش. فنقاط الخلاف معه كثيرة مثل تقليص الضرائب، ارتباطه باليمينيين الدينيين، اعتراضه على الإجهاض والحرب في أفغانستان والعراق التي تعزز من وجهة نظرهم المتمثلة في أن أميركا دولة غير ليبرالية وإمبريالية.
الحزب الديمقراطي بدوره كان صريحا وشرسا في كرهه للرئيس. فآل غور تظهر عليه علامات الغضب بشده عندما يتحدث عن جورج بوش. في حين تظهر الحمرة على شفاه رئيس مجلس النواب نانسي بيلوسي عندما تنطق باسم الرئيس، وعلى الرغم من شراسة الحملة التي يشنها الديمقراطيون الحاليون، إلا أن ما يفعلونه يشبه بشكل أو بآخر ما قام به الجمهوريون مع بيل كلينتون في عقد التسعينات.
وفي الوقت نفسه هناك من يخشى بوش بين الجمهوريين، فالمتطرفون بين الجمهوريين لا يحبون الحدود المفتوحة ولا يفضلون الزيادة الكبيرة التي أدخلها الرئيس في ميزانية الإنفاق الفيدرالي.
وفي ضوء طبيعتهم الانعزالية، فإنهم لا يتخيلون أن العراق يستحق مقتل جندي واحد من جنود المارينز، بل إن الوضع وصل الآن إلى أن القاعدة الأساسية من الجمهوريين بدأت تبتعد عن الرئيس في وقت محنته. فهؤلاء الجمهوريون يتملكهم القلق من الهبوط في مستوى شعبية بوش ومدى تأثير هذا الهبوط على وضعهم.
وفي الخارج فإن بوش بالطبع لا شعبية له على الإطلاق، فالأوروبيون المتحذلقون لا تروق لهم فكرة أن أقوى جيش في العالم يديره مواطن أميركي من ولاية تكساس مرجعه الإنجيل ويملؤه الحماس في تغيير الوضع الحالي للعالم، كما أن المصلحين من العرب غير متحمسين لأفكار الرئيس الأميركي أيضا وذلك على الرغم من أن القارئ قد يعتقد العكس.
فعلى الرغم من كل شيء فإنهم ظلوا لسنوات ينتقدون تأييد الولايات المتحدة لكثير من أنظمة الشرق الأوسط التي يرونها قمعية. ثم تأتي بعد ذلك في أذهانهم عبارات الرئيس الطنانة عن الديمقراطية والحرية وواجب الولايات المتحدة المتمثل في استخدام كل مواردها من أجل فرض تغيير ديمقراطي بالقوة على الشرق الأوسط، غير أن الكلام شيء والتنفيذ شيء آخر.
فلا يوجد مثقف عربي واحد يريد قوة غربية تستخدم أسلحتها ضد رفقائه من المسلمين حتى إذا كان هؤلاء المسلمون من أمثال صدام حسين أو من أتباع تنظيم القاعدة.وفي النهاية فإن هناك مجموعة واحدة على الأقل يرحب بوش بكرهها له وهي جماعة ابن لادن وتنظيم القاعدة.
والآن إذا كنت أيها القارئ تؤمن بصحة المعروض في السطور السابقة فإن المنطق يقول إن ابن لادن سعيد للغاية بحرب بوش على الإرهاب، فعلى الرغم من كل شيء فإن بوش قد شن حربا غير ضرورية تسببت في انقسام مؤيديه وتقوية أواصر أعدائه.
فمن المفترض أن الإدارة الأميركية قد تسببت في دفع المعتدلين إلى معسكر ابن لادن وتسببت في انقسام الشعب الأميركي حول الحرب في العراق واستعْدت كثيرا من الحلفاء بسبب ما جرى في معتقل غوانتانامو وما يحدث من حالات تنصت على الأميركيين. فنحن بالقطع أضحينا أقل أمنا، كما يقال، في الفترة التي تلت أحداث الحادي عشر من سبتمبر.
ولكن السؤال الذي يفرض نفسه في هذا الصدد هو : لماذا يكره أسامة بن لادن جورج بوش كل هذا الكره؟ فهو دائم الحنق ويوجه الإهانة للرئيس. في شهر أكتوبر 2004، صدر عن ابن لادن شريط مصور قبل الانتخابات يخاطب فيه الشعب الأميركي ويهاجم فيه بوش على أمل أن يخسر الأخير الانتخابات.
إن الواقع يقول إن أسامة بن لادن، بفضل بوش، قد فقد قواعده الأصلية في أفغانستان، وإن أتباع تنظيم القاعدة في العراق آخذون في التلاشي بشكل منظم، وذلك بمساعدة بعض قبائل السنة الذين ضاقوا ذرعا بالأفعال الوحشية التي يقترفها المتشددون. وكشف استطلاع للرأي صدر عن مركز بيو للبحوث عن تراجع حاد في تأييد العرب للأعمال الانتحارية وهبوط كبير للغاية في شعبية ابن لادن نفسه.
إن حرب جورج بوش على الإرهابيين ورعاتهم يبدو أنها تتسبب في شعور بعدم الراحة لدى طيف واسع متباين من البشر. غير أن المفارقة في هذا الصدد تكمن في أن كره ابن لادن للرئيس يجب أن يظهر لكارهي بوش هنا في أميركا وخارجها أن الرئيس الأميركي يستحق بعض الثناء من جانبهم. فعدوهم المشترك غاضب ويعاني الأمرين.
خدمة «لوس أنجلوس تايمز» خاص لـ «البيان»