قد يبدو الحديث عن غلاء الأسعار، وارتفاع مستوى ثمن الخدمات المختلفة التي يتلقاها الفرد في المجتمع مبالغاً فيه حين تتم المقارنة بين ارتفاع الأسعار وزيادة مرتبات الموظفين اتحادياً وحكومياً، وهنا يبدو الأمر كمن يشتكي بطراً أو على غير أساس، لكن الحقيقة أن أي موظف في الدولة لا يكاد يفرح بزيادة راتبه حتى يشعر بأن هذه الفرحة ليست له في الأساس وبأنها ليست سوى زيادة في أرباح التجار والموردين وأصحاب العقارات وجهات أخرى.
نعم، زادت الرواتب، لكن في مقابل ذلك كم سلعة غذائية ضرورية زادت أسعارها بدواعٍ وتبريرات غير حقيقية، وإن جردة بسيطة على فواتير السنوات الخمس الماضية تظهر مستوى الارتفاع الذي ربما يعد الأعلى في العالم، ابتداء من سعر لتر الحليب الطازج وصولاً لأسعار الأرز واللحم والاجبان، وتسعيرة سيارة الأجرة ، والسؤال إلى متى؟ هل سيتوقف هذا الانفلات أم سيبقى على حاله وبهذه الوتيرة غير المنطقية ابداً؟
نأتي للإجراءات الاحترازية التي يفترض أن تتخذها الجهات الحكومية وعلى رأسها وزارة الاقتصاد وجمعية حماية المستهلك، فأي إجراءات اتخذت للوقوف في وجه هذه الظاهرة الاقتصادية السلبية ذات الآثار المدمرة على الاقتصاد والمجتمع معاً وعلى سعر العملة المحلية المرتبطة بالدولار والتي ما عادت قيمتها الشرائية ذات مردود مفيد قياساً بما هو متداول نظرياً حول قوة الاقتصاد، ومستويات الدخل الأعلى عالمياً!
تستطيع وزارة الاقتصاد ضمن آليات اختصاصها وعلاقتها بالتجار تقنين هذا الغلاء، وبالإمكان حكومياً كبح جماح الجشع الحاصل والذي تصبح معه زيادة المرتبات ليست سوى تحصيل حاصل بالنسبة للمواطن والمقيم معاً، فالزيادة في الحقيقة لا تذهب إلى بند الادخار المفترض للإنسان كما هو حاصل في معظم دول العالم، وإنما تذهب للتجار ومن في حكمهم ممن يقدمون خدمات مختلفة للناس.
فالكل يبني موقفه من الزيادة على الطرف الآخر، فأسعار الأسماك تزيد لان سعر البنزين مرتفع، وسعر الحليب مرتفع بسبب ارتفاع أسعار البلاستيك وتجارة التغليف والنقل، وهكذا لكن الغريب ان سعر هذه السلع في دول مجاورة تساوي نصف سعرها عندنا في الإمارات، فهل زيادة البنزين والنقل والتغليف مطبقة على الإمارات فقط؟
مطلوب من وزارة الاقتصاد موقف حاسم في هذا الاتجاه ليس فقط لأنها مسؤولة مسؤولية كاملة عن المستهلك وسياسة الاستهلاك، ولكن لان ارتفاع الأسعار بهذه الطريقة يوجد ظواهر اقتصادية خطيرة يعرفها أهل الاقتصاد، تؤثر على عملة الدولة واقتصادها بشكل عام.
كما تؤثر على مستوى المعيشة ونمط الحياة، وما هذه الأرقام التي بدأت تنشر حول مستوى الفقر واعداد العائلات الفقيرة في الإمارات والتي بحاجة لإعالة وتبرعات سوى نماذج بسيطة حالية قياساً بما يمكن أن تصير إليه الأحوال في القريب العاجل اذا بقيت الهوة هكذا تتسع بين مستوى الأسعار ومستوى الدخل الفردي.
ان ترك المجال يتفاقم هكذا لمصلحة التجار ليس في صالح المجتمع، حتى وإن سلمنا بان الاقتصاد هو سيد الموقف وبأننا مدن تجار وتجارة، فهؤلاء في النهاية مواطنو مجتمع عليهم ان يحافظوا على توازناته الحياتية، لا أن يدمروه تحت عجلات طموحاتهم الخيالية، والكرة في ملعب الحكومة ووزارة الاقتصاد والشؤون الاجتماعية التي تعد دراسة حول الإنفاق الأسري لا ندري كيف سيتم الإفادة من نتائجها لكننا نأمل خيراً!
