على الرغم من سيادة قطب واحد على الساحة الدولية خلال العقدين الأخيرين، إلا أن الفطرة السليمة تنبذ بطبيعتها مسلكا من هذا القبيل وتدفع في الوقت نفسه باتجاه تصحيح المسار وعدم السماح برجحان كفة على أخرى إلى حد الطغيان.

عام 2008 سيكون عاماً حاسماً في الحياة والنظام السياسيين في الاتحاد الروسي المكون من 89 كيانا فدراليا وسيترك بصمات دامغة وعلامات فارقة في النظام السياسي العالمي، بعد أن شهدت سنوات حكم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين العديد من الخطوات الدراماتيكية التي شملت كافة مناحي الحياة وتعكس رغبة جامحة لدى أركان هذا النظام السياسي المنبعث كالعنقاء من تحت رماد حقبة قاتمة إلى حد ما لها ما لها وعليها ما عليها.

تترقب روسيا ومعها العالم أجمع عام 2008 المقبل لأنه سيشهد انتخابات روسية هي الأولى من نوعها كونها ستجري في ظل مناح سياسي داخلي مستقر إلى حد كبير بعد أن تمكنت القوى السياسية الروسية من طي صفحة التردد والتشويش والارتباك التي امتدت طوال العقدين الأخيرين بمضامينهما التي تطال كافة الصعد الأيديولوجية والاقتصادية والسياسية وغيرها من مناحي حياة البلاد.

والتي يمكن إدراجها جميعا تحت عنوان واحد هو مرحلة التحول والانتقال من إرهاصات نهاية النظام الاشتراكي والاقتصاد المركزي المخطط إلى النظام الرأسمالي واقتصاد السوق، من نظام اشتراكي أخفق في معركة الصمود في وجه نظام رأسمالي متوحش إلى نظام رأسمالي تابع لدوائر الامبريالية العالمية على طريق الولوج إلى نظام رأسمالي مستقل يضع مصالح بلاده صوب عينيه دائما.

قد تتباين وجهات النظر والتقييمات المتعلقة بطول أو قصر تلك المرحلة الحتمية في حياة المجتمع الروسي، لكن ما من شك أن روسيا تخلصت من سنوات عجاف اتسمت في المقام الأول بوضع كل مقدرات وإمكانيات البلد في خدمة حفنة من الأشخاص المرتبطين ارتباطا وثيقا بقوى لا يستهان بها على الساحة الدولية يعتقد أنها وقفت وراء التغيير الجذري الذي عصف بالاتحاد السوفييتي السابق .

وأتى بأشخاص مثل ميخائيل غورباتشوف جل ما فعله لم يخرج عن إطار سياسة هدم البلاد ودك حصونها خدمة للأجنبي بطريقة سوقية رخيصة، تبعد الصدفة كليا، على سبيل المثال،عن واقعة منح الجامعة العبرية في تل أبيب أرفع جائزة يهودية لغورباتشوف اعترافا له بالجميل وتقديرا لجهوده العملاقة في خدمة الدولة العبرية ودوائر الامبريالية العالمية الداعمة لها.

لكن إحدى مفارقات هذا المشهد الدراماتيكي تكمن في أنه بينما هلل منظرو وسياسيو الامبريالية العالمية مجسدة بالولايات المتحدة وطبلوا وزمروا لبدعة البريسترويكا الفاسدة والغلاسنوست المشوهة التي رفع رايتهما غورباتشوف، ها هم يعادون بريسترويكا بوتين وتوجهات نظامه الجديدة القائمة على خدمة المصالح القومية الروسية العليا.

وفي هذا السياق تحديدا تأتي الحملة الدعائية المغرضة ضد تعيين رئيس الوزراء الروسي الجديد فيكتور زوبكوف وذلك على خلفية إمكانية وصوله إلى سدة الرئاسة العام المقبل على أن يبقى في قبضة الرئيس بوتين حتى عام 2012، موعد الدورة التالية من الانتخابات الرئاسية في روسيا التي سيكون بوسع بوتين ترشيح نفسه فيها وفق الدستور الحالي.

لكن ألا يرى منتقدو التوجهات الروسية أن محاولات تقويض النظام السياسي في روسيا قد باتت في عداد الماضي بعد أن تبين أنها تنتهك حتى قواعد وأدوات اللعبة المعتمدة في أعتى البلدان الرأسمالية ديمقراطية وأن روسيا باتت تعتمد على مؤسسة متماسكة اسمها الدولة ولها أهداف واضحة لن تغير فيها بشيء هوية هذا الرئيس أو ذاك، فكائن من كان ذلك الرئيس، ليس بوسعه إلا خدمة تلك الأهداف والعمل على تطويرها تماشيا مع المصلحة القومية العليا، لكن يبدو أن الهدف الأسمى من بينها جميعا.

والذي يقض مضاجع تلك الدوائر هو هدف استعادة الدور الروسي على الصعيد العالمي اعتمادا على أمرين، الأول يتعلق بموارد روسيا الطبيعة وعلى رأسها الغاز والنفط، فضلا عن سيطرتها على طرق إمداد أوروبا الغربية بهاتين المادتين الحيويتين، والثاني يتعلق بالقدرات الكامنة والحقيقية التي يتمتع بها مجمع الصناعات العسكرية، الذي أعلن رئيس الوزراء الجديد أنه سيكون محور الاقتصاد الروسي.

السؤال الذي يطرح نفسه بقوة في هذا المقام هو : لماذا لم تقرع أجراس الخطر عندما قام ميخائيل غورباتشوف وبوريس يلتسين بما قاما به من أعمال مشينة بلغت حد مهاجمة مجلس الدوما بالدبابات وصعود يلتسين بنفسه على ظهر إحداها أمام البرلمان الروسي، بينما تقرع بقوة الآن على الرغم من أن النظام الروسي الحالي ما هو إلا امتداد طبيعي لما أقدم عليه الرئيسان الروسيان السابقان ووليده الشرعي الذي ولد وترعرع في كنفه؟

a href="bassil@albayan.ae ">bassil@albayan.ae