لا إعلام بلا معلومات، ولا معلومات بلا شفافية. وحينما تغيب الشفافية وتختفي المعلومات فمن الطبيعي أن تظهر الإشاعات، وإذا ظهرت الإشاعات فمن الضروري أن يصدر على الفور نفي أو تأكيد من الجهة المعنية لوأد الإشاعة في مهدها، وإذا بقي الحال على ما هو عليه لأيام دون معلومة شفافة ودون نفي أو تأكيد من المصدر المسؤول تحدث المشكلة ويتبادل كل الأطراف الاتهامات.
وقد يمثل عدم حرية الحصول على المعلومات مشكلة حقيقية أمام أجهزة الإعلام فلا تجد أمامها سوى المصادر غير الموثوقة، أو تلجأ للتكهنات والاستنتاجات التي تكون أحيانا أقرب للشائعات، أو أمام صانع القرار نفسه في التعامل مع قضايا الناس حين تتضارب المعلومات من المصادر المختلفة، فكيف يمكن للمسؤول في مثل هذه الحالة اتخاذ القرار السليم؟
وفي عصر ثورة المعلومات، فلا معلومات ممكنة بشكل كاف بدون تأكيد مبدأ حق الناس في أي مجتمع حر أن يعلموا كل الحقائق بشفافية فيما يتصل بالسياسات والممارسات الحكومية بما في ذلك صحة قادتهم المؤثرة على واقعهم ومستقبلهم.
كما لا سياسات صحيحة وفي اتجاه مرغوب فيه إلا بتوفير كل الحقائق بدقة أمام الحكومات فيما يتصل باتجاهات الرأي العام وواقع وحجم القضايا التي تهم الناس.
وفي الفترة الأخيرة تعرض العديد من الصحافيين العرب في أكثر من بلد عربي للاتهام والمحاكمة والتعرض للحبس والغرامة بسبب قضايا نشر تركزت على نشر أخبار لشخصيات عامة بلا مستندات أو معلومات أكيدة تثبت صحتها، وآخر المشاهد المؤسفة هو إصدار محكمة مصرية أحكاما بالحبس والغرامة على أربعة رؤساء للتحرير بالصحف المستقلة بتهمة «إهانة رموز الحزب الوطني»، وأحيل رئيس تحرير صحيفة الدستور المصرية إلى المحاكمة بتهمة ترويج إشاعة تتعلق بصحة رئيس الجمهورية.
وهنا يطرح السؤال نفسه.. ما الداعي أصلا للجوء إلى القضاء مادام القانون يكفل حق النفي والرد للمتضرر من الخبر وما دامت قوانين الصحافة والمطبوعات تلزم الصحيفة بنشر النفي أو التكذيب للخبر المنشور أو التعليق والرد على المقال في نفس الصفحة وفى نفس المساحة المنشور ممن يؤثر فيه عدم صحة الخبر الذي يمكن مع افتراض حسن النية أن يقع في الخطأ إذا لم يتوفر للصحيفة حرية الحصول على المعلومات من مصادرها الصحيحة.
وإذا كانت ثقافة العصر السائد هي المعلوماتية والديمقراطية فإن سيادة هذه الثقافة في مجتمعات منطقتنا لا بد أن تدفع الجميع إلى اعتماد الشفافية، فإذا توفرت الحقائق والمعلومات بدقة للحاكم والمحكوم انطلاقا من مبدأ الحق في المعرفة..
وإذا توفرت للوسائل الإعلامية حرية الإعلام والمعلومات ومسئولية ممارسة تلك الحرية، فإن من شأن ذلك إشاعة مناخ من المصداقية والثقة سواء بين الحاكم والمحكوم أو بين الداخل والخارج، ومن شأنها أيضا تشجيع المستثمرين والجهات الدولية في الإقبال على التعاون المشترك.
غير أن واقع الحال في مجتمعاتنا يجعل المعلومات والحقائق الكاملة غائبة في العادة عن أجهزة الإعلام وبالتالي عن الرأي العام وحاضرة في الغالب في يد الحكومة بحكم ما لديها من أجهزة جمع البيانات والمعلومات اللازمة لرسم السياسات وإصدار القرارات.
إن تغييب هذه الحقائق عن الناس عدا طبعاً ما يمكن أن يمس الأمن الوطني لم يعد هو الاتجاه المرغوب فيه في عصر أصبحت أهم سماته هي المعلوماتية والشفافية «فإن القوة التي تفرض التكتم على الممارسات الحكومية، هي في الحقيقة قوة تدمير لمصداقيتها» كما يقول رودنى سمولا أستاذ القانون بجامعة ريتشموند الأميركية.
وتعبير الرأي العام عن نفسه بوسائل موضوعية وشفافة وسلمية وسليمة يجنب المجتمع أي نوع آخر من التعبير غير الملائم نتيجة كبته أو تغييبه وكلما سمح المجتمع بالتعبير السلمي للرأي العام عن نفسه كلما قلت احتمالات اللجوء إلى الوسائل غير السلمية أو غير السليمة للتعبير، خصوصاً وأن كل الدساتير العربية تقريباً تنص على حق المواطنين في التفكير والتعبير السلمي بوسائله التي ينظمها القانون ويحميها الدستور.
a href="mamdoh77t@hotmail.com">mamdoh77t@hotmail.com