بالرغم من أن نصف أعضاء منظمة الأقطار المنتجة والمصدرة للنفط «أوبك» (ليبيا، الكويت، نيجيريا، فنزويلا، إيران والعراق) رأوا بأن مستوى الإنتاج المقر سابقا يجب أن يبقى بدون تغيير، إلا أن المنظمة في دورتها الـ 145 في فيينا قررت بأن الحالة التي تشهدها سوق النفط العالمية تتطلب زيادة الإنتاج بمقدار 500 ألف برميل يوميا (ب/ي).

مؤيدو ومعارضو القرار، والخبراء المتابعون يعلمون جيدا بأن هذه الزيادة لن تحدث أي تغيير جدي في حالة سوق النفط العالمية. فهم يعرفون أن الإنتاج قبل اجتماع أوبك الأخير شكل 30 مليون (ب/ي)، وليس 8,25 مليون (ب/ي) حسبما كان مقررا في السابق.

وبدا الأمر لبعض المحللين وكأنما أوبك تسخر من كبار مستهلكي النفط الغربيين وممثلتهم وكالة الطاقة الدولية (IEA) التي كثيرا ما تردد أن ارتفاع أسعار النفط بسبب سياسة أوبك يهدد بأزمة اقتصادية في الولايات المتحدة وأوروبا. تنبؤات وكالة الطاقة الدولية لعام 2007 جاءت وكأنها تحدثنا عن «حلقة مفرغة» مفادها أن عدم زيادة أوبك لإنتاجها سيتسبب في تباطؤ الاقتصاد الأميركي كأكبر مستهلك للنفط، ما سيؤدي إلى انخفاض الطلب عليه، وبالتالي انخفاض أسعاره. ولا شك أن لحالة الاقتصاد الأميركي أثرها، إلا أن العوامل الأخرى التي ترجح ارتفاع أسعار النفط هي الأكثر.

وقد تلجأ وكالة الطاقة إلى الضغط مجددا على بلدان أوبك كي تقرر زيادة أخرى في الإنتاج في اجتماعها في ديسمبر المقبل، إلا أن أوبك لن تستجيب، كما تقول ناتاليا ميلتشاكوفا محللة مؤسسة «أوتكريتيا» الروسية. وما أقدمت عليه أوبك هذه المرة لم يكن سوى مجاملة سياسية للولايات المتحدة. فهذه البلدان في الحقيقة غير راغبة في المساعدة على انخفاض أسعار النفط التي لا تعتمد زيادتها على أوبك بقدر كبير («غازييتا.آريو»، 2007,09,13.

وربما تكون محقة التوقعات بأن أسعار النفط لا بد أن «تبرد» بعد أن قطعت طريقها من 70 إلى 80 (د/ب)، لكن أيا من المحللين لا يجرؤ على التنبؤ بمدى استقرارها بعد ذلك. ما يبدو مرجحا هو أن التنبؤات المتشائمة لخبراء أسواق النفط العالمية بدأت تتحقق، وأن ارتفاع الأسعار ربما يصل قريبا إلى 100 (د/ب).

وأن أي قرار لأوبك بزيادة أي كميات في الإنتاج لن يكبح جماح الأسعار. فالسبب الرئيسي في ارتفاعها ليس اختلال التوازن في ميزان العرض والطلب على النفط الخام، بل على منتجات النفط، أي بسبب نقص الطاقات العالمية لتكرير النفط.

طبعا الحديث يجري عن الحالة الراهنة لسوق النفط. أما على المدى الأبعد فإن استمرار معدلات النمو في الصين ودول شرق آسيا وغيرها من الدول النامية سيظل يوجد طلبا متصاعدا على النفط الخام مما يرجح ارتفاع استمرار أسعاره أيضا. فلماذا تشدد الولايات المتحدة ووكالة الطاقة الضغط على أوبك وهي تعرف «براءتها» من ارتفاع الأسعار الراهنة؟

في بلدان أميركا اللاتينية يخرج بسطاء الناس إلى الشارع قارعين أواني المطبخ تعبيرا عن المعدة الخاوية بسبب سياسات حكامهم. أما جارتهم الشمالية فتقرع جدران خزانات النفط الاستراتيجية تظاهرا بالجوع النفطي «بسبب» سياسات أوبك!

الحقيقة أنه بمطالبتها بزيادة إنتاج النفط تسعى الولايات المتحدة إلى حل مشاكلها الداخلية المتعلقة بمصانع تكرير النفط أساسا. تراكم الاحتياطات الإضافية من النفط في مخازن الولايات المتحدة سيساعدها بعد حل المشاكل الفنية لإعادة تأهيل مصانع التكرير على تشغيلها من جديد بدون خسائر عمليا.

ولا يجب أن ننسى ولو لحظة أن السيد الحالي للبيت الأبيض وصل إلى سدة الرئاسة محمولا على أكف أصدقائه من رجال صناعة النفط وتكرير النفط التي هو أحد أعمدتها.

الأمر الآخر هو تعظيم مخزون نفط الولايات المتحدة والغرب من نفط أوبك بهدف تخفيف الاعتماد عليها لاحقا. فكل حقائق النفط العالمي تزعج بال استراتيجيي هذه البلدان.

في يوليو الماضي صدر تقرير وكالة الطاقة الدولية (IEA) (تحدثت عنه الفايننشال تايمز (10 يوليو 2007) عن حالة سوق النفط على المدى المتوسط وأطلقت فيه أشد تحذير خلال السنوات الأخيرة بأن الوضع مع النفط والغاز سيكون على غاية الحرج خلال الخمس سنوات المقبلة وسيوجد أزمة شديدة تعمق اعتماد الدول الصناعية على أوبك.

فاحتياطات النفط في الحقول الشائخة في المكسيك وبحر الشمال وغيرها من البلدان غير الأعضاء في أوبك تنضب بأسرع مما هو متوقع، في الوقت الذي تتعثر فيه المشاريع النفطية الجديدة في الشرق الأقصى الروسي.

وأن إمدادات النفط من هذه البلدان تزيد بنسبة 1% سنويا فقط، ما يشكل أقل من نصف معدل نمو الطلب، ولن تستطيع سوى بلدان أوبك تلبية تزايد الطلب مستقبلا (نفس المصدر السابق)، أكثر من ذلك تتزايد المؤشرات حول تزايد الاحتياطي الثابت في بلدان الخليج تحديدا. كان خبراء مستقلون يقدرون احتياطات الكويت من النفط في حدود 48 - 50 مليار برميل، أما المثبت منها فأقل بكثير ـ 2 ,24 مليار برميل. لكن الحكومة كشفت أمام مجلس الأمة الكويتي في 4 يوليو 2007 حقيقة أن هذه الاحتياطات تبلغ 100 مليار برميل.

وخلال دقائق معدودة وصل الخبر إلى حي السيتي للأعمال في لندن، فأكده الوزير للصحافة فيما بعد دون الإشارة إلى مقدار الاحتياطي المثبت من هذه الكمية. وبهذا تحتل الكويت من حيث الاحتياطي النفطي المرتبة الخامسة بين البلدان الأعضاء في أوبك التي تبلغ حصتها 40% من إنتاج النفط العالمي. أما ترتيب الدول الأخرى من حيث حجم الاحتياطي النفطي فهي: السعودية، إيران العراق ثم الإمارات (http://palm.newsru.com/finance/10jul2007/oil.html. إذن فحيوية أوبك والخليج بالنسبة للاقتصاد العالمي ستبقى إلى أبعد مما كان متصورا. وهذا ما يمكن أن يشكل مصدر قوة أو ضعف بلداننا.

غير أننا لا نزال محصورين في الذود عن مصالحنا النفطية في حلبة الأسعار فقط، حيث نبدو مغلوبين أيضا. فرغم الارتفاع الظاهري للأسعار إلا أن انخفاض سعر صرف الدولار قد أدى إلى انخفاض دخل البلدان المنتجة بمقدار الثلث.

وكما تشير «الفايننشال تايمز» باحتساب دينامية سعر صرف الدولار بلغ متوسط سعر برميل النفط في 24 يوليو 6,43 دولارا مقارنة بسعر 3 ,44 دولارا في يونيو 2006. عدا ذلك فإن صعوبات إضافية وخسائر مالية تتكبدها بلداننا بسبب الارتفاع الملحوظ في أسعار صرف اليورو والجنيه الاسترليني والعملات القوية الأخرى.

وأمام هذه الظروف لم تكن المجاملة السياسية التي أقدمت عليها أوبك ذات معنى، خصوصا وأنها ليست مسؤولة عن ارتفاع الأسعار.

كاتب بحريني

a href="ajnoaimi@gmail.com">ajnoaimi@gmail.com