أفرج جيش الاحتلال في الآونة الأخيرة عن اخطر وثائقه المكتنزة منذ النكبة، والمتعلقة بنهج التدمير والترحيل والتهويد الشامل لفلسطين، وعلى نحو خاص ذلك الجزء المتعلق بنهج تدمير الاماكن المقدسة الاسلامية والمسيحية على حد سواء، بغية محو كل هذه الآثار والمعالم المقدسة العربية في فلسطين، فقد كشفت صحيفة «هآرتس العبرية 6/7/2007 في هذا السياق النقاب عن «حملة مبيتة لتفجير المساجد».

حيث يشير مراسل الصحيفة. وهو ميرون رفافورت إلى أن إسرائيل هدمت ما لا يقل عن 120 مسجدا في القرى الفلسطينية التي احتلتها العام 1948، إضافة إلى بعض الكنائس المسيحية، بل إنها هدمت خلال الحملة عدة كنس يهودية.

ويوضح المراسل «بأن هذا الهدم الذي تم في كثير من الأحيان بعمليات تفجير بالديناميت كان غرضه القضاء على أي أثر عربي في البلاد والعمل بأكبر قدر ممكن للحفاظ فقط على ما تبقى من آثار يهودية فيها ومحو أي أثر عربي فيها، وكأن الاسرائيليين يريدون أن يقولوا إن هذه البلاد لليهود فقط ولم يكن فيها أي أثر عربي».

كما تظهر الوثائق المفرج عنها من أرشيف الجيش الإسرائيلي مؤخرا: «أن الجيش الإسرائيلي عمل منذ قيام الدولة العبرية في العام 1948 على إزالة آثار قرى وبلدات عربية تم تهجير سكانها ومحوها من الوجود وتنفيذ حملات غايتها تفجير مساجد وأضرحة أولياء بأوامر صادرة عن قائد الجبهة الجنوبية في حينه موشيه ديّان، الذي حول حسب المؤرخ إلاسرائيلي فلسطين إلى صحراء مدمرة لطمس الحضارة العربية التي كانت قائمة وإقامة إسرائيل عليها /عن تقرير لصحيفة هآرتس العبرية 6/7/2007.

تحملنا هذه الوثائق بالغة الأهمية إلى تلك الأدبيات والثقافة الصهيونية التي تقف وراء عقلية الهدم والتدمير للمقدسات، إذ أنتجت المؤسسة الدينية اليهودية عبر مدارسها وهيئاتها وتنظيماتها ومستنقعاتها المنتشرة على امتداد المجتمع اليهودي، العقلية العدوانية التدميرية ضد الأماكن المقدسة في فلسطين وفي المدينة المقدسة على وجه الخصوص.

والحقيقة أن الصحيفة العبرية تكون بهذا قد ألقت الضوء الساطع وبأثر رجعي مهم على جذور أفكار ونوايا النسف والتدمير الإسرائيلية ضد الأماكن المقدسة.

وعلى ذلك لعلنا نتوقف عند تلك المنطلقات والأدبيات الفكرية والإيديولوجية التي وراء استهداف الأماكن المقدسة والأقصى في مقدمتها، فإن كنا لا نستطيع في هذه القراءة المكثفة العاجلة استعراض وتحليل أدبياتهم الفكرية والأيديولوجية الدينية المتعلقة بالقدس باعتبارها «مدينة يهودية» والمتعلقة بالنوايا والخطط والممارسات الإجرامية التدميرية ضد الأماكن المقدسة في المدينة، فاننا نشير بشكل محدد إلى ما كان مناحيم بيغن قد أكد عليه قائلاً:

«إن لا قيمة لإسرائيل بدون القدس، ولا قيمة للقدس بدون الهيكل»، وكذلك إلى ما كان غرشون سلوموم زعيم جماعة أمناء جبل الهيكل التي تسعى بلا توقف إلى هدم الأقصى المبارك قد أكد عليه قائلاً: «إن وضع حجر الأساس للهيكل يمثل بداية حقبة تاريخية جديدة، نريد أن نبدأ عهداً جديداً للخلاص اليهودي»، وكذلك يوم فتح النفق الاحتلالي تحت الحرم القدسي الشريف، حيث أعلن نتنياهو كما هو معروف قائلاً: لقد بدأ التاريخ اليهودي عند هذه الصخرة - مشيراً إلى صخرة كبيرة في النفق».

وما يميز الأدبيات الفكرية والدينية اليهودية والسياسية للحكومة الإسرائيلية هو التشدد والتعصب الديني والعنصرية والتعالي على «الأغيار» غير اليهود وعدم احترام الأديان الأخرى، الأمر الذي ترتب عليه الكثير من الممارسات العنصرية التدميرية اللا أخلاقية ضد الأماكن المقدسة الإسلامية والمسيحية على حد سواء.

ولذلك فإن سجل دولة الاحتلال الأسود في اقتراف الجرائم ضد المساجد والكنائس والمقابر يعود إلى عهد التنظيمات الإرهابية الصهيونية والى بدايات إقامة الدولة العبرية على ارض فلسطين كما أظهرت الوثائق المفرج عنها من أرشيف جيش الاحتلال.

فمنذ إقامة تلك الدولة وحتى عام 1950 أي خلال عامين فقط أقدمت على هدم وتدمير 1200 مسجد كما يؤكد الباحث الفلسطيني في مؤسسة الأقصى لرعاية المقدسات الإسلامية في فلسطين 1948 الشيخ احمد فتحي خليفة.

وتتكثف جرائم الاحتلال ضد الأماكن المقدسة بالعناوين التالية:

أولا: هدم وتدمير المساجد والكنائس

ثانيا: محاولة شطب الهوية الدينية

ثالثا: إطلاق النار على عدد من الأماكن الدينية

رابعا: العمل على إثارة مشاعر المسلمين والمسيحيين

خامسا: مداهمة عدد من الأماكن الدينية

سادسا: قصة الحفريات تحت الأقصى

ولعل من اخطر التطورات والإجراءات الاحتفالية التي تشهدها المدينة المقدسة في هذه الآونة هي تلك الحفريات العميقة المتشعبة تحت أساسات الحرم القدسي الشريف والتي يزعمون أنها تهدف إلى اكتشاف مكان الهيكل اليهودي الثاني تمهيدا لهدم الأقصى المبارك وبناء الهيكل الثالث، وهذا التصعيد الإسرائيلي ليس إعلاميا أو تكتيكيا أو تضليليا وإنما يأتي في سياق خطة احتلالية شيطانية تهدف إلى إحكام السيطرة والهيمنة الإسرائيلية على المدينة المقدسة إلى أبد الآبدين!

واستتباعا ووفق جملة من التقارير الموثقة فقد شاركت وتشارك أجهزة رسمية سياسية وبرلمانية ووزارية وأمنية إسرائيلية، سواء بصورة مباشرة وصريحة أو بصورة غير مباشرة، في دعم المخططات والإجراءات والممارسات العدوانية الانتهازية الجامحة ضد المدينة المقدسة، أما التنظيمات الإرهابية اليهودية المتورطة في التخطيط والتدبير والتنفيذ لمسلسل الجرائم والانتهاكات ومحاولات التدمير ضد الأماكن المقدسة، فقد بلغ عددها أكثر من خمسة وعشرين تنظيماً إرهابياً يهودياً .

كما وثقت في مصادر عديدة، ولا تقتصر عملية التخطيط والتدبير لاقتراف الجرائم وهدم الأماكن المقدسة على التنظيمات المشار إليها، إذ أشارت دراسة نشرتها مجلة البيان الإسلامية مجموعة حلقات حول هذه المسألة أشارت فيها إلى وجود نحو 125 جماعة يهودية متطرفة خمسها تخصصت في المساعي الرامية إلى هدم الأقصى وبناء الهيكل.

كما أشارت إلى أن السعار المتلهف لهدم الأقصى لم يقتصر على اليهود في الداخل والخارج، بل تعدى إلى مسيحيين متعصبين مهووسين قادمين من الخارج «حسب ما ذكرت صحيفة يديعوت احرنوت، والتي أفادت بأن بعضهم وصل من إيطاليا في مهمة مقدسة ومحدودة لهدم الأقصى قبل الألفية الثالثة.

إذن كل هذه الأجهزة الرسمية الإسرائيلية.. وكل هذه التنظيمات والحركات الإرهابية اليهودية السرية والعلنية تعمل وتسابق الزمن وتتسابق فيما بينها على اقتراف أكبر قدر من الانتهاكات والجرائم ضد المدينة المقدسة أولاً، وتتسابق فيما بينها على هدم الأقصى وبناء الهيكل اليهودي المزعوم على أنقاضه ثانياً.

ونقول في الحصيلة المكثفة ما نثبته دائما في هذا الصدد: تحتاج المدينة المقدسة في مقدمة ما تحتاجه في هذه الظروف الفلسطينية والعربية والاسلامية البائسة إلى أدوات حقيقية وجادة وفاعلة ومجدية تلبي استغاثة القدس والأماكن المقدسة تلبية مقنعة تقود في الحصيلة والحاصل الاستراتيجي إلى إحباط تلك النوايا والخطط الشيطانية الرامية إلى تدمير المقدسات أولا، ثم إلى وقف بلدوزر الاستيطان والجدران والتهويد والابتلاع ثانيا، ثم إلى إنقاذ وتحرير المدينة منهم ثالثا؟

ونعتقد بقناعة راسخة إننا لو كنا في زمن عربي/إسلامي آخر مختلف عما نحن فيه اليوم بسبب الأوضاع والهزائم والإرادات السياسية العربية المغيبة أو المعتقلة لكان من شأن ما يجري على ارض القدس من اجتياحات واعتداءات وهجمات تهويدية منهجية سافرة أن يقيم العالم العربي /الإسلامي ولا يقعده أبدا، أبدا.

كاتب فلسطيني

nawafzaru@yahoo.com