يكاد النقاش في أوروبا بأكملها لا يهدأ بخصوص كيفية التساوي مع مشاكل الماضي من خلال معهد خاص أوكلت إليه مهمة التدقيق في تفاصيل الذاكرة الوطنية التي من المفترض أن تشكّل اختصارا للتراث السياسي الوطني خلال حقبة معيّنة من الزمن. ويتم في غالب الأحيان اختيار تلك الحقبة استنادا لمعطيات مختلفة تكون سياسية - إيديولوجية، وبالتالي عرضة لكثير من الجدل والنقاش بخصوص قربها أو بعدها عن آليات البحث الأكاديمي الحقيقي وموضوعية الطرح والتعاطي مع الأمور الحساسة وما شابه.
فبعد ألمانيا الشرقية (السابقة) وبولندا وسلوفاكيا والمجر التي تمكّنت جميعها من تجاوز العقبات النفسية والإيديولوجية الكثيرة وفتحت ملفّات مخابراتها الشيوعية أمام المواطنين، ها هي تشيكيا تقرر مؤخرا خوض هذه المعمعة في ظل انقسام واضح داخل المجتمع بين مؤيد لهذه الخطوة، وبين محذّر من خطورة فتح جراح الماضي الأليم وملفاته السوداء لأن هناك دائما من يستغل ذلك لتحقيق مآرب سياسية مختلفة وفق تبريرات أقطاب المعارضة اليسارية.
الموضوع بحد ذاته مثير للاهتمام انطلاقا من حقيقتين رئيسيتين: أنه يعكس جرأة ونضجاً واضحين لدى أركان المجتمع من قيادة وشعب على حد سواء، وأنه يشكّل عادة - في حال كانت النوايا طيّبة - نقطة انطلاق تساعد المجتمع المعني للاستفادة من ماضيه المظلم وحاضره المليء بالمشاكل، لكي يتمكن لاحقا من بناء مستقبل يؤمن الحدود الدنيا من الطموحات والآمال لأبناءه.
ولا نريد أن نغوص كثيرا في تفاصيل «معاهد الذاكرة» في أوروبا الشرقية وآلية عملها ومن يوجهها لكي لا نصطدم بالشيطان الذي يختبئ دائما في التفاصيل، إلا أنه قد يكون من المفيد النظر إلى هذه التجارب بشكل عام،والاستفادة منها لتطبيق ما ينفع من آليّاتها داخل بيئتنا العربية، وإلقاء الضوء على ما باشرت بعض الدول من تطبيقه فعليا في هذا المجال، لعلّنا نتمكن من توضيح الرؤية في بعض ما تصبو إليه شعوبنا من آمال وأحلام.
المهم بالطبع هو أن تتوفر بعض العناصر الضرورية وأهمها بالطبع ما سبق ذكره: الجرأة والنضج السياسي اللذان يسمحان لهذا المجتمع بأن يخوض معركة تحوّله موحدا تحت راية مشتركة، لأن المطلوب في نهاية المطاف هو تحقيق النمو والرخاء الذي من المفترض أن تنعم به معظم فئات الشعب.
ولا أستذكر في هذا المجال حاليا تجربة أنصع وأروع من تلك التي تعكسها الحالة الإماراتية على الصعيد الاقتصادي خصوصا، وهي تجربة فريدة تستدعي العمل على تحصينها لكي تبقى متميّزة وشامخة يتطلع إليها كثيرون في المنطقة والعالم.
أما على الصعيد السياسي فأن التجربة العراقية قد تكون الأقرب إلى ما جرى في أوروبا الشرقية، باعتبار أن الكيان السياسي القائم حاليا في العراق يسعى من خلال علاقاته الوثيقة مع تلك الدول للاستفادة من تجربتها «الديمقراطية» ومرحلة تحوّلها، وهو ما تؤكده سلسلة من النشاطات التي تبذل على أكثر من صعيد، وأورد منها كمثال مجموعة القوانين التشيكية وغيرها التي تمت ترجمتها مؤخرا إلى اللغة العربية وإرسلت كجزء من المساعدات إلى العراق لكي يستفيد منها خلال عملية تحوله التشريعي.
في هذا السياق قد يكون مفيدا الإشارة إلى أن التشابه بين التجربة الأوروبية الشرقية والعراقية قد يكون كبيرا انطلاقا من طبيعة الحكم «الشمولي» الذي كان سائدا في مرحلة من تاريخها، ويختلف كثيرا بالطبع في كيفية إنهاء ذلك الحكم الشمولي الذي لم تكن كافة فئات الشعب راضية عنه تماما. ولا مجال للدخول في تفاصيل الحرب الأخيرة باعتبار أن ما جرى ويجري في العراق الجريح لا يزال ماثلا أمام أعيننا وفي وجداننا.
وإذا أخذنا البيئة التشيكية كمثال باعتبار أنها آخر من قرر تبنّي فكرة قيام معهد الذاكرة الوطنية في أوروبا، فإننا نلمس ثلاث دوائر إشكالية مرتبطة بالعهد الشيوعي هي:
أ) تسوية الحسابات مع الماضي الشيوعي فيما يتعلق بتفسير العناصر التاريخية المكوّنة للحاضر، ب) المشاكل المرتبطة باستمرار تأثير أقطاب الحكم الشيوعي حتى بعد التغييرات «الديمقراطية»، ت) التسليم بواقع قد يعتبره البعض مريرا وهو استمرار وجود الحزب الشيوعي وإن كان ذلك ضمن مسمّى مختلف.
ويختلف الواقع العراقي الحالي كثيرا باعتبار أن العناصر المؤثرة فيه قررت تبنّي طريق العنف الدموي لخلط الأوراق وتنفيذ الأهداف، في وقت يجهد فيه النظام الجديد لتأمين صيغته «الديمقراطية» الخاصة به والتي تؤمن حسب رأيه الرخاء والنعيم لكافة فئات الشعب.
وإذا انطلقنا مجددا من موضوع الذاكرة الوطنية وضرورة الاستفادة من تجارب الماضي لبناء مستقبل أفضل، فإن الواضح في الحالة العراقية هو أنها تفتقر إلى عنصر هام جدا لكن يبدو من بعض المؤشرات الآنية أن القيادة الحالية بدأت تعمل على استدراكه وأخذه بعين الاعتبار.
وهو مراجعة قراراتها السابقة بخصوص اجتثاث حزب البعث من هيئات السلطة والمجتمع بشكل عام. فقد تبيّن بكل بساطة - مثلما تبيّن سابقا في أوروبا الشرقية - بأن الحزب الذي حكم عشرات السنين وأثّر إيجابا أو سلبا في المجتمع، لا يمكن شطبه من الذاكرة الوطنية بهذه البساطة لأنه متجذر في ثقافتها ومتأصل فيها.
فلم تنفع في أوروبا الشرقية المحاولات التي قام بها المنتصرون في الثورة المخملية وغيرها لمنع الحزب الشيوعي من التمثّل في المجلس النيابي حتى بالاعتماد على التشريعات الكثيرة التي هدفت لمنع كوادر الحزب الشيوعي من «التسلل» إلى دوائر النفوذ والسلطة. وبعد أكثر من ستة عشر عاما، يبدو بأن الأحزاب الشيوعية قد استوعبت آثار الزلزال السياسي الذي أطاح بها، وانتقلت بالتالي إلى مرحلة جديدة باتت تؤثر من خلالها لكن بشكل غير مباشر على مجريات الأمور في البلاد، وباتت قاب قوسين أو أدنى من التمثل مجددا في السلطة التنفيذية.
ماذا يمكن أن نستخلص من كل هذا قياسا على التجربة العراقية وانطلاقا من موضوع الذاكرة الوطنية؟ أن الديمقراطية الحقيقة التي يسعى أبناء العراق لتكريسها لا يمكن أن تكون كاملة وفعّالة إلا إذا أشترك فيها الجميع دون استثناء.
لا مجال هنا للتحديد أو الاستثناء لأن الماضي المليء بالعِبر يمر بتجربة الحاضر الأليمة المخضبة بالدماء. فهل ستساعدنا ذاكرتنا الوطنية على العبور نحو مستقبل مشرق؟
كاتب لبناني