منذ أيام وقع مركز الملك عبدالعزيز للحوار الوطني في السعودية اتفاقية مع وزارة التربية والتعليم هناك لتفعيل التعاون بين المركز والوزارة لنشر مبادئ الحوار وثقافته بين أفراد المجتمع وفق الأسس السليمة المستمدة من المبادئ الإسلامية والركائز الرئيسية في دعم الوحدة الوطنية.
القائمون على المركز الذي استحدثه الملك عبدالله بن عبدالعزيز لخصوا أهدافه والتي ترمي إلى ترسيخ مفهوم الحوار وسلوكياته في المجتمع ليصبح أسلوباً للحياة، ومنهجاً للتعامل مع مختلف القضايا، وتكريساً للوحدة الوطنية في إطار العقيدة الإسلامية، وتعميقها عن طريق الحوار الفكري الهادف، بما يحقق نشر ثقافة الحوار والتسامح والوسطية، ويعزز حرية التعبير الايجابي والمسؤول في إطار الشريعة الإسلامية.
واستشهدوا بأن الحوار هو علم إسلامي بدليل وجود 89 مخطوطة إسلامية في مكتبة الحرم المكي الشريف تتناول هذا العلم، ومن ثم كانت أولى جولات المركز هو الوصول الى القاعدة العريضة من طلاب العلم الذين هم نواة المستقبل بعقد الشراكة مع وزارة التربية والتعليم التي تمثل معظم أطياف المواطنين تقريباً.
جميل ان تتبنى الحكومات العربية هذا المنحى بعد طول غياب تقريبا لمفهوم الحوار او استبعاده من الأجندة اليومية للشعوب باعتباره هما ثقيلا لا داعي له فهو ممارسة ديمقراطية ثقيلة نوعا ما على الحاكم اذكر انه عند تولي اللواء محمد عبد الحليم موسى وزارة الداخلية المصرية في الثمانينات ابتكر نوعا جديدا من الحوار مع المتشددين الإسلاميين آنذاك في مصر وهي فتح المجال لمقابلات ومناقشات عن رؤيتهم وباختصار ماذا يريدون وكانت فرصة لرافضي هذا المبدأ .
ومن ثم رفض الفكرة التي كان من الممكن ان تؤتي أكلها خلال هذه الفترة وكانت النتيجة ان أقيل الرجل ومحق أي صوت ينادي بهذا المبدأ في حين ان خير الوسائل التي تحمي المجتمع الواحد هو المحاورة والشورى والحوار الايجابي المتكافئ الذي يعطي لكلا الطرفين فرصة التعبير والإبداع الحقيقي ويحترم الرأي الآخر ويعرف حتمية الخلاف في الرأي بين البشر وآداب الخلاف وتقبله.
وكل ما يريده الناس ببساطة حوار واقعي يتصل إيجابيا بالحياة اليومية الواقعية واتصاله هذا ليس اتصال قبول ورضوخ للأمر الواقع بل اتصال تفهم وتغيير وإصلاح فهو حوار موافقة الهدف النهائي له إثبات الحقيقة التي نراها ليس بأهوائنا وهو فوق كل هذا حوار تسوده المحبة والمسؤولية والرعاية وإنكار الذات.
ومن وحي رمضان أعاده الله على المسلمين بكل خير نتذكر غزوة بدر والذي كانت واقعة مشهودة وفاصلة في تاريخ الإسلام في بداياته الأولى وحدث أثناءها حوار راق وايجابي بين سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم والصحابي الجليل الحباب بن المنذر رضي الله عنه حين تجمع المسلمون للقاء الكفار وكانت آبار المياه أمامهم وهنا نهض الحباب وسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أهو منزل أنزله الله أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟ فأجاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بل هو الرأي والحرب والمكيدة.
فقال الحباب: يا رسول الله ما هذا بمنزل وأشار على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالوقوف بحيث تكون آبار المياه خلف المسلمين فلا يستطيع المشركون الوصول إليها، وفعلاً أخذ الرسول صلى الله عليه وسلم بهذا الرأي الصائب وكان ذلك أحد عوامل النصر في تلك المعركة.
وإذا حاولنا تحليل هذا الموقف نجد أن الحباب بن المنذر كان مسلما إيجابيا على الرغم من أنه أحد عامة المسلمين وكان أمامه من الأعذار لكي يسكت أو يعطل تفكيره فهو جندي تحت لواء رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي يتلقى الوحي من السماء وهناك كبار الصحابة أصحاب الرأي والمشورة ولكن كل هذه الأسباب لم تمنعه من إعمال فكره .
ولم تمنعه من الجهر برأيه الصائب ولكنه مع ذلك التزم الأدب الرفيع في الجهر بهذا الرأي فتساءل أولا إن كان هذا الموقف وحيا من عند الله أم أنه اجتهاد بشري فلما عرف انه اجتهاد بشري وجد ذلك مجالا لطرح رؤيته الصائبة ولم يجد الرسول صلى الله عليه وسلم غضاضة في الأخذ برأي واحد من عامة المسلمين وهذا الموقف يعطينا انطباعا هاما عن الجو العام السائد في الجماعة المسلمة آنذاك، ذلك الجو المليء بالثقة والمحبة والإيجابية وإبداء النصيحة وتقبل النصيحة.