بعد صراع طويل مع المصطلح الذي أكثر العالم من تكراره على مسامعنا لأهميته الحقيقية مازال لهذا المصطلح عدة تعريفات ولكنه بحسب اقرب تعريف يفهمه الجميع كما قرأته فهو يعني «القدرة على حماية الدولة من الأخطار الداخلية والخارجية الطبيعية منها والمفتعلة، وإعداد الدولة وتجهيزها للتجاوز والتصدي لأي تهديد مستقبلي».

ما يهمني في تعريف هذا المصطلح هو التركيز الذي تحظي به القضية المجتمعية، لذلك سوف أناقش قضية أمننا المجتمعي في دول الخليج، على اعتبار أننا شكل من المجتمعات التي تسبب النفط في تقدمها على السطح العالمي وبسرعة، فمجتمعنا الخليجي الآن هو مجتمع تتشكل ملامحه من جديد بفعل عوامل اقتصادية وسياسية كبيرة فهو يمر بمرحلة لابد من متابعتها بشكل دقيق. قبل أربعة عقود بدأت ملامح التغيير تكسو أجواءنا الاجتماعية فتحولت الكثير من ملامح مجتمعاتنا الخليجية إلى ملامح جديدة وأصبحنا نستطيع أن نشم من خلال وخلف هذه الملامح رائحة النفط التي غيرت المساكن والمراكب بل الكثير من أوجه حياتنا الاجتماعية.

هذا التسارع في ملاحقة التطور غيرت من مؤثرات الماضي فزادت مستويات الصحة العامة وكثر الإنجاب والزواج بحيث أصبحت معدلات النمو السكاني اكبر من غيرها. وكمثال على الرغبة في تحقيق التغير يقول صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم في كتابه رؤيتي «التغلب على قرن جديد في ألفية جديدة يتطلب تفكيرا جديدا وأساليب مبتكرة يمكن الاستفادة منها في تطوير المجتمع وتعجيل حركة التنمية، وهذا يقتضي التغيير».

الكلمات الأكثر إثارة في قضيتنا الاجتماعية كما يشير إليها صاحب كتاب رؤيتي (التغير والتغيير) مجتمعاتنا الخليجية بحاجة ماسة إلى كلا المصطلحين بل هما يمران بهما قسرا في أحيان كثيرة ولكن المعضلة الأكبر هي كيفية التمييز ومعرفة الحقيقة في كون التغيير لا يؤثر على حياتنا الاجتماعية إلا بطريقة ايجابية.

لقد تمت الاستعانة بالكثير من العمالة الأجنبية التي اتخذت من المجتمعات الخليجية مقرا لها حيث مصدر دخل مناسب، هذه الخلطة الغريبة من التركيبة السكانية الممزوجة بفئات سكانية من خارج تلك المجتمعات جعلت المجتمعات الخليجية تبدو أكثر غربة في ذاتها وفي مجتمعاتها فقد أصبحت الاعتمادية على الجاليات الأخرى اكبر من المتوقع ولم يصل الأمر إلى ذلك بل تعداه إلى قلق الكثير من المهتمين والباحثين على الهوية الخليجية في حال تزايد عدد الوافدين إليها بهدف العمل.

في المقابل تبدو المجتمعات الخليجية أنها تعاني من عدم قدرتها على استيعاب أبنائها في المسار الوظيفي فأعداد الشباب خلال الخمسين سنة القادمة سوف يتضاعف بشكل يثير الكثير من الأسئلة حول الواقع الوظيفي في دول الخليج و عن مدى إمكانية استيعاب الأعداد المتزايدة من الشباب القادم إلى تلك المجتمعات على شكل كتل بشرية.

قضية المجتمعات الخليجية وتركيبتها السكانية التي سوف تزداد فيها فئة صغار السن هي اكبر قضايا الأمن القومي الخليجي اهمية. إن الأمن القومي السياسي والاجتماعي والاقتصادي كلها تبدو مترابطة ولا ينفك احدها عن الآخر ولكن في الدول ذات التوازن الطبيعي في نمو السكان والتي لديها معدلات كبيرة من الاستقرار الاقتصادي تبرز قضية الأمن العسكري هي الأهم بل وتتربع على قمة هرم الأمن القومي.

في مجتمعاتنا الخليجية ونظرا لتلك التحولات المتوقعة للتركيبة السكانية وعدم توفر الكثير من البدائل الاقتصادية في كل الخليج، فإن قضية الأمن القومي تبدو أكثر تعقيدا من غيرها واعتقد جازما أن الاهتمام بحفظ التوازن السكاني هو الأهم فلكي لا يفقد المجتمع هويته الخليجية بل ورحمة به من مسارات التغيير السريعة يجب أن تعمل مجتمعاتنا الخليجية على دراسة استراتيجيات التحول السكاني ورسم مسار تخطيطي يمكن من خلاله رؤية المستقبل والتنبؤ به.

زيادة أعداد السكان في مقابل زيادة الاعتمادية على العمالة وخاصة المستويات المهنية احد القضايا الرئيسة وخاصة أن الحاجة لغير الخليجيين أصبحت مفتوحة وبدون تفكير منطقي فالكثير من المجالات والمهن التي كان الفرد الخليجي يؤديها أصبحت تُملأ من فئات ليست خليجية وبطريقة ترفية في أحيان كثيرة.

قضية التعليم القضية الأكبر فلازال هناك الكثير من المؤشرات التي تقول إن أنظمتنا التربوية لا زالت تعاني من مشكلات في تأهيل أبنائنا ومازال الفارق كبيرا بين مخرجاتنا التربوية وبين الحاجة إليها في سوق العمل كما أننا مازلنا نعاني من إشكالية توضيح هوية التعليم الذي نريد نتيجة ارتباك في مخططاتنا الاقتصادية.

لدينا تجارب خليجية ناجحة للبدائل الاقتصادية ولكنها لا تكفي لاستيعاب تلك الأعداد المقبلة من البشر فالمتوقع أن يكون لدينا تجارب تطويرية ناجحة في كل شبر من أرضنا الخليجية. أحسن المتفائلين حول الكيفية التي ستؤول إليها مجتمعاتنا الخليجية سكانيا لن يتصور كيف ستكون صورة طبقاتنا السكانية المقبلة وخاصة أن صغار السن سوف يشكلون القيمة الأكبر في تلك التركيبة.

الكم الهائل من البشر لن يسمح لأحد بإعادة ترتيب المجتمع وفق قيم تقليدية أو قيم مؤقتة فالعملية الاقتصادية ستكون اللاعب الرئيسي لذا فإن مستقبل المجتمعات الخليجية وأمنها الاجتماعي مرهون بإحداث تغيير اقتصادي وتنويع مصادر الدخل من خلال تأهيل تربوي حقيقي مربوط بحاجتنا المستقبلية وتأهيل يضمن لنا عدم إعادة تعليم أبنائنا بعد حصولهم على الشهادات كما يجري الآن.

قضية السكان في الخليج مع ارتفاع معدلات الفئات العمرية الصغيرة من الجنسين لها طرف ثالث له من الأثر الكبير مثلما لغيره فمثلا عمليات التوعية في خفض عدد المواليد لكل أسرة لن تنجح على اعتبار أنها تتعارض مع القيم الدينية التي ترفض عمليات تحديد النسل وهذا يتطلب تدخل الفكر الديني للنظر في هذه القضية بطريقة تجعلها ممكنة.

ومع أن هناك وعيا بدأ يأخذ طريقه لترتيب الأولويات لكل أسرة خليجية وربط ذلك بمعدلات الدخل وبحاجة الأسر إلى استثمار تربوي امثل لأبنائها إلا انه لا يمكن إثارة قضية تحديد النسل ما لم تكن هدفا حقيقيا يجب معالجته من قبل المختصين.

هذا الواقع الذي يمر به المجتمع الخليجي يجعل من الضرورة التفكير بالأمن الاجتماعي وقراءة مستقبل تلك المجتمعات بطريقة مناسبة فلا بد من تخطيط اقتصادي يبحث البدائل المتاحة والعمل على تطوير الخدمات لكي لا يحصل عدم اتزان بين الطبقات المجتمعية مما يؤدي إلى استفادة فئات بعينها دون أخرى.

يقول رئيس وزراء سنغافورة السابق ومهندس تطورها «لي كوان يو، لقد أدركنا أننا لو تركنا للسوق الاقتصادية وحده حرية تقييم الأداء وتحديد مردوده، فلسوف يكون لدينا قلة فليلة من كبار الرابحين، والعديد من متوسطي الربح، وأعداد كبيرة من الخاسرين، الأمر الذي يخلق توترات وقلاقل اجتماعية، نتيجة الإساءة إلى إحساس المجتمع بالعدالة» هذه العبارة تعطينا دلالة مؤكدة بأن الاقتصاد هو المحور الذي ينصب على رأس المجتمع لمنح قيم العدالة بين أبنائه فحاجة الإنسان الحقيقية هي رغبته في الإحساس بالعدالة وهنا تتم قراءة معايير الأمن القومي الاجتماعي ومدى فاعليتها.

كاتب سعودي

Mhkm1111@yahoo.com