ما كشفته مصادر فلسطينية، عن وجود وثيقة مشتركة تتضمن القبول المبدئي بإقامة دولة فلسطينية في الضفة، يثير المخاوف لجهة أن تكون الأمور سائرة باتجاه قيام كيانين فلسطينيين منفصلين.
صحيح أن واقع الحال على الأرض هو كذلك أو ما يشبهه. لكن وجود حكومتين وفي حالة قطيعة، شيء، وإعلان نشوء وضع، محكوم بأن يؤدي إلى ازدواجية في الكيانية الفلسطينية، شيء آخر تماماً، عند ذاك يكون التشظي قد تمأسس، أو على الأقل يكون مثل هذا الاحتمال قائماً. إذ من يضمن أن لا تلجأ «حماس» إلى إعلان دولتها الغزاوية لو أعلنت «فتح»، بالتوافق والتفاوض مع إسرائيل، دولتها الضفوية؟
طبعاً للسلطة الفلسطينية حيثياتها، في هذا الخصوص، من المتوقع في تسويقها لهذا الخيار، أن تقول إن «حماس» هي التي فتحت الباب وكانت السبّاقة؛ من خلال انقلابها على الشرعية في غزة؛ وإن إقامة دولة في الضفة هي الخطوة الميسورة حالياً؛ في ظل واقع الحال المعروف في القطاع، في مشروع الدولة العتيدة؛ المرفوع شعارها والجاري العمل على تحقيقها منذ «أوسلو» وعندما تتغير الأوضاع، تبسط الدولة الجديدة سلطتها على غزة، وللسلطة أيضاً حساباتها السياسية، في الموضوع، فمثل هذا السيناريو، ربما ترى فيه زيادة انكشاف لحماس وحكومتها، في القطاع؛ وبالتالي زيادة لعزلتها وتأليب الغزاويين ضدها.
مهما كان الأمر ومهما كانت جدارة سيناريو دولة الضفة؛ أو جدارة انقلاب حماس وحيثياته؛ فإن الثابت هو أن الوضع الفلسطيني يعيش حالة تفسّخ، بات له ديناميته الخاصة التي تدفع به نحو الإمعان في التردي. وهي الحالة التي تعمل إسرائيل بقوة من أجل تجييرها لخدمة استراتيجيتها، القائمة على تكريس الأمر الواقع، الذي يطيح بالحقوق الفلسطينية الأساسية، وهي تكاد لا تقوى على كتمان ارتياحها لاستمرار التدهور الفلسطيني.
فالمخضرم شيمون بيريز جاهر، في مقابلته مع صحيفة هآرتس بمثل هذا الشعور عندما قال إن حالة الانقسام الفلسطيني «فرصة محظور إهدارها».
هل سمع الإخوة في الأراضي الفلسطينية هذا الكلام؟ الإصرار على تعميق القطيعة بين المتخاصمين، أدى إلى انفلات ذهنية الاستئثار والتحصن في المواقع، غابت القواسم المشتركة وأخلت المكان لعوامل التفرقة والخصومة المتناحرة. لفترة خلت كان الخوف من احتمال وقوع الساحة الفلسطينية في أتون الحرب الأهلية المدمرة. اجتازت، إلى حد بعيد هذا الفخ.
لكن البديل، كان وقوعها في ما يشبه لعبة «القط والمبرد»: هي تراكم خسائرها بنفسها من دون أن تدري وعدوها يتفرج ويتحرك لتجيير نزفها أرباحاً صافية له.
الدولة الفلسطينية حق ومطلب وإنجازها مكسب، في ضوء الظروف الراهنة، لكن تسوية البيت الفلسطيني أولوية ضرورية وإلا وقع في شرك الدولتين.
