الإعلام المحايد شيء مثالي لا يوجد إلا في خيال الحالمين الذين يعشقون الحقيقة لذاتها، غير أن الواقع شيء آخر، وأغلب وسائل الإعلام رغم الشعارات الرنانة عن المصداقية، وحق القارئ أو المشاهد في المعرفة، لا يمكن أن تكون محايدة، على طول الخط، فلكل وسيلة إعلامية أهداف يتم ترجمتها إلى صور وكلمات تعكس تلك الأهداف.

وربما يكون الفرق في درجة الحرفية التي يتمتع بها القائمون على هذه القناة أو تلك المطبوعة في عرض رسالتهم أو بضاعتهم على الجمهور العام، ومن هنا تأتي الاتهامات للإعلام أحيانا بتزييف الحقائق أو الترويج لسلعة رديئة، تشغل الناس عن قضاياها الحقيقية، أو تخلق صورة مشوهة للحقيقة بما يخدم أغراض هذه الجهة أو تلك.

كما أن الإعلام غير بريء في إدارة الصراعات والنزاعات باعتباره احد الأدوات في الحرب أيا كان شكلها سواء كانت حربا نفسية أو معركة حربية يسقط فيها آلاف الضحايا الأبرياء.

فمع تطور وسائل الاتصال وطرق الحصول على المعلومات في عالم بات اقل من قرية صغيرة، أصبحت حروب الإعلام تسبق الدبابة والمدفع في التأثير، وكسب العقول والقلوب بما يخدم الجندي في الميدان قبل ان يطلق رصاصاته.

مناسبة الحديث، سؤال طرحه لقاء دعا إليه المستشار الإعلامي للقنصلية السودانية في دبي محمد خير، على مجموعة من الصحافيين العرب والأجانب الذين زاروا إقليم دارفور في الأشهر الأخيرة، مفاده: هل ما شاهدوه على أرض الواقع يتشابه مع الصورة التي تعكسها وسائل الإعلام الغربية؟

الإجابة ورغم تباينها، إلا ان الجميع اتفقوا على شيء واحد تقريبا وهو ان الصورة لا تتطابق البتة مع تلك التي يقدمها الإعلام الغربي ويحاول التأكيد عليها ليل نهار، رغم أنها بعيدة كثيراً عن ارض الواقع.

نعم هناك مأساة إنسانية تقف معسكرات النزوح أو التهجير شاهدا عليها، غير أن اختزال المشهد في تلك المعسكرات نوع من المراوغة وعرض ناقص لوجه ما يدور في إقليم هجرته التنمية أو أغفلته لسنوات طوال، وسط أجندات محلية وإقليمية ودولية تريد أن تصنع من الإقليم حصان طروادة لخنق بلد عربي يجاهد من أجل لملمة شعث أطرافه وهو بحجم قارة صغيرة تحدها تسع دول لكل منها سياساته ومشاكله التي لابد وان تؤثر في باقي الجيران.

الإعلام الغربي يسعى جاهدا إلى تصوير الوضع على انه صراع بين حكومة ومسلحين يسعون لانتزاع حقوق مهدرة، مستخدما مأساة من فروا من منازلهم سلاحا لتوجيه الاتهامات لهذا الطرف أو ذاك، وبما يخدم أجندات معينة في ظل غياب عربي وإسلامي أخلى الساحة لمنظمات دولية وبعضها ليس منزها عن الهوى، وحتى لا يتهم الإعلاميون العرب الذين شاركوا في تلك الندوة بالانحياز إلى بني جلدتهم او التعاطف معهم رغم الموضوعية التي تحلت بها شهادتهم، نترك المجال للصحافي الفرنسي كلود ايفرني الذي عاش في السودان لتسع سنوات، قضى قدرا كبيرا منها في دارفور.

والذي راح يفند الرؤية الغربية القاصرة لحقيقة ما يدور على ارض دارفور، ومع أن الرجل قال ان ما يقدمه مجرد عين (خواجة) لا يمكن أن ترى كما ترى عيون أهل السودان، إلا ان الرجل ومن خلال كم هائل من الصور، قدم إلى حد ما رؤية مغايرة تقول: إن طبيعة الصراع اكبر من حصرها في صور الأطفال الذين يقفون في طوابير للحصول على كسرة خبز أو شربة ماء.

ومن بين تلك الصور واحدة يقف فيها عدد من الأطفال بعضهم يبتسم في براءة وآخرون في كدر وحيرة، وقال الرجل إن أي قائم على الإعلام يمكن أن يستغل الصورة ذاتها لخدمة أهدافه.

فإذا كنت تريد أن تعكس الوضع السوداوي فما عليك سوى التركيز على الجانب الحزين من تلك الصورة، وإذا أردت العكس فالبؤرة لابد وأن تذهب إلى السعداء الضاحكين. هي إذن لعبة الإعلام الذي لا يمكن أن يدعي القائمون عليه حياداً لوجه الحقيقة المجردة.