إنه تحول مهم وملحوظ في الحراك الداخلي الإيراني من دون ترديد أن يصبح الرئيس الأسبق أكبر هاشمي رفسنجاني رئيساً لمجلس خبراء الدستور، رفسنجاني الذي يصفه المحافظون دوماً بأنه تاريخ الثورة، ووصفه زعيم الإصلاحيين الرئيس خاتمي ذات يوم عاصف من أيام نزاع رهطه المتشدد معه بأنه بطاقة تعريف الثورة.

ويصفه خصومه الدائمون دوماً بأنه ثعلب السياسة والفكر، رفسنجاني الذي برز دوماً بمثابة ملك اللعبة في الحراك الداخلي الإيراني في كل مراحل الثورة الإيرانية أو رجل كل الفصول من أيام مجلس قيادة الثورة الأولى إلى عرش الزعامة الذهبي الراهن إنما يكمن سر بقائه بمثابة بيضة القبان باستمرار مهما كانت وضعية الحدث الإيراني، إلى أنه عشق دوماً .

ولا يزال دور الموازن بين القوى والحريص على التواجد والحضور في كل المواقع مديراً للصراع دون إراقة ماء وجه أحد ناهيك عن دمه أو كسر عظمه، إنه الرجل الذي لم يؤمن يوماً بوجود تناقضات مستحيلة الجمع بل آمن ولا يزال على العكس من ذلك بأن كل شيء ممكن في عالم السياسة، شرط أن تبقى عين اللاعب دوماً على المبادئ الأساسية للثورة والوطن والدين بمثابة المظلة التي تحميه وهو يلعب لعبة القط والفأر مع الخصم الخارجي دون إفراط أو تفريط ولعبة توازن القوى في الداخل على قاعدة لا جبر ولا تفويض إنما هو أمر بين أمرين.

الرجل الذي يبدو اليوم وكأنه الأكثر تأهيلاً حسب بعض العارفين ببواطن الأمور رغم كل ما جرى له أو من حوله أن يفتح ثغرة حقيقية في جدار انعدام الثقة بين طهران والعالم الغربي، يجلس اليوم مجدداً على ناصية الزعامة لمجلس يفترض أنه المسؤول عن اختيار المرشد وتعيينه ومن ثم الإشراف على بقاء الشروط التي تمكنه من استمرارية توليه لسدة القيادة.

أول ما قام به الرئيس رفسنجاني هو الإعلان الصريح والذي لا لبس فيه بأن سعيه الأول سيكون باتجاه تفعيل دور هذا المجلس لكنه سرعان ما استدرك بذكائه وحنكته المعهودين أن المهمة الأولى أي اختيار المرشد وتعيينه لن تحصل في عمرنا لأن المرشد الحالي أكثر شباباً وأكثر حيوية منا وهذا اعتراف صريح بالواقع وبلعبة التوازن الضرورية لاستمرار المهمة أيضاً فالرجل أصغر منه سناً وأكثر إمساكاً بتلابيب موازين القوى الداخلية .

كما أثبتت الأحداث دون منازع، غير أنه عاد واستدرك من جديد بالقول إن من واجبات مجلس الخبراء الأخرى الإشراف على الذين يعملون تحت سلطة المرشد وهنا قد يكون بيت القصيد في قوله إنه سيسعى جاهداً إلى تنشيط دور مجلس الخبراء! لأن هذا سيعني الإشراف والتأكد بأن كل شيء يجري على ما يرام.

إنها لعبة توازن القوى الدقيقة والشديدة الحذر تعود مرة أخرى بين الرجلين الصديقين الحميمين على مدى نحو نصف قرن من العمل المشترك والأقرب إلى بعضهما البعض لكنهما الأكثر تجرؤا على بعضهما البعض أيضاً، رفاق درب الحرب والسلام اللذان جربا بعضهما البعض في أكثر من محطة عصيبة ولم يفترقا إلى حد التباعد لكنهما لم يتطابقا دوما كذلك، إنه تقاسم الأدوار حيناً وتداولها حيناً آخر وتداخلها أو احتكاكها في لعبة حراك الدولة والمجتمع الإيراني الشديدة الحساسية والتعقيد في بعض الأحيان.

لكن لعبة توازن القوى هذه المرة قد تعني فيما تعني وفي هذه المرحلة الدقيقة من الوضع المحيط بالبيت الداخلي، بأن المطلوب تحركات أكثر شفافية من قبل الرجل الذي يوصف برجل كل الفصول أي الشيخ الرئيس وهو سرعان ما بدأ يظهر على لسان الرجل بصراحة وتفصيل منذ توليه رئاسة المجلس الجديد عندما أسهب في شرح الخطوات التي يعد لها على طريق «مأسسة» مجلس خبراء القيادة وجعله أكثر حضوراً في المشهد السياسي العام .

كما قال، كما تتطلب «سعة صدر» بمساحة العالم هذه المرة وليس بمساحة إيران وحدها من قبل ربان السفينة وقائد الحرب والسلام، ذلك حجم التحديات والمهمات المتوقعة أمام الثنائي القديم الجديد أصبحت أكبر من الوطن الذي يعشقانه سوياً بنفس القدر وغير محصورة بالدائرة الدينية التي شربا من معينها سوياً.

أكتب هذا وأنا أعرف عن قرب بأن الرجل الأول وصاحب كلمة الفصل في الحرب والسلام أكثر تحمساً من سائر أعضاء مجلس الخبراء لفكرة القيادة الجماعية وأنه كان صاحب هذا الاقتراح في لحظة رحيل القائد المؤسس، كما أعرف جيداً بأن الشيخ الرئيس لم يكن ولن يكون يوماً على استعداد للتفريط بعقد الصداقة.

ولا بعقد الوطن والدين الذي يربطه مع الرجل الاول أكثر من أي شيء آخر، لكنني مع ذلك أقول بأن التفاصيل الإضافية الجديدة والمستجدة على ساحة الوطن والفكر الديني في اتساع متنام وأحياناً بلا حدود مما يجعل المهمة أكثر صعوبة من ذي قبل.

ومع ذلك أقول للذين ضخموا الحدث أكثر مما ينبغي خاصة من جانب أولئك الذين يبحثون عن دور على مائدة الآخرين لا سيما أولئك الذين «مزقوا» من وصفه رائدهم بـ «بطاقة تعريف» الثورة دون أن يرف لهم جفن، بأن الشيخ الرئيس أبعد نظراً مما تتصورون وأكثر حنكة مما تعتقدون وأكثر وفاء مما تظنون.

وبالتالي لن يكون سلماً لصعود الآخرين، وأما للذين قللوا من قيمة الحدث لا سيما أولئك الذين اعتادوا على اللعب في الدوائر الضيقة ولا يملكون من الرؤية أبعد من أنوفهم، بأن الرجل الذي تحسدون ومنه تغارون أو من صعوده تتهيبون، هو أبعد مما في خيالكم ترسمون!

إنه الرجل الذي أحرص ما يكون على الثوابت في عالم الدين والوطن والوفاء نعم، ولكن عندما تستنفره المهمات المستحدثة التي تتطلب التضحية من أجل الدين والوطن والوفاء بالذات سيكون في طليعة رواد الإصلاح والتغيير.

فالرجل كما عرفه العارفون عندما تستمع إلى دقات قلبه تقول عنه بأنه الحصن الحصين لتيار من يوصفون بالمحافظين بالفعل، لكنك إذا ما اقتربت إليه أكثر وراقبت مسار تنفسه سرعان ما تكتشف أنه ذو رئة إصلاحية يبحث دوما عن دور يعج بالحركة الحية التي لا تعرف الهدوء وعن مجال رئوي لهذه الحركة يعج بروح التجديد والإصلاح وينمو في جنباته الإصلاحيون وقوى التغيير في المجتمع وينتعشون!

إنه إذن صعود متميز لرجل يسير بخطين متوازيين لا يمكن الاستهانة بأحدهما على حساب الآخر لكن المهم فيه أنه يحدث في زمن المتغيرات الصعبة والمتسارعة الخطى نحو منعطف الحسم والبحث عن الحلول للتحديات الجسام في الداخل كما في الخارج أي بخطين متوازيين أيضاً وقد يكون هنا بيت القصيد فيما هو مطلوب من رجل الرهانات والمراهنات!

كاتب إيراني