إذا كانت الحرب بالسلاح قد همدت إلى حد بعيد، بين «فتح» و«حماس»؛ فإن الحروب الدائرة الآن بينهما أشد فتكاً وخطراً. واخطر ما فيها أنها تحفر عميقاً وتؤسس لتقسيم سياسي ـ جغرافي بين الضفة والقطاع.

بل أكثر، إذ هي تقيم جدار العداء عاليا بين الجانبين، وكأنه ليس في الساحة عدو مشترك لهما، على السواء. بسرعة وبتصميم، يبدو وكأن لا رجعة فيه، انتقلت الأولوية إلى تجذير الخصومة بين الأخوة الأعداء.

ويأخذ الاندفاع بهذا الاتجاه تعبيرات مختلفة، على كافة الجبهات: السياسية والإعلامية والأكاديمية والاجتماعية.. وحتى الدينية. كل الأسلحة مباحة في حرب الإقصاء والإلغاء؛ وبكل ما تملكه من ذخائر.

التراشق عبر وسائل الإعلام الخاصة، بكل فريق؛ بلغ مداه. خاصة المرئية منها؛ والتي تنهمك في التحريض والنيل من ممارسات ومواقف وعلاقات الآخر. يضاف إلى ذلك حملات منع البث المتبادل؛ كل في منطقته؛ عدا عن حملات وبرامج التحقير. كما يتم منع طبع وتوزيع الصحف، العائدة لهذا الفريق أو ذاك.

ولم تسلم الجمعيات والنوادي الثقافية وبعض المكتبات والتجمعات الاحتجاجية. وحتى المؤسسات الأكاديمية شملها الصراع المستفحل، حيث تمارس فيها المحسوبية وما يشبه التطهير لتصبح الكفة فيها راجحة لمصلحة هذه الحركة أو تلك. والمعروف أنه سبق وحصل زج الصلاة في الساحات، في حرب التحصين والإقصاء؛ ولايزال. كل خطوة من هذا الفصيل تقابلها خطوة مماثلة وأكثر من الآخر.

المسلسل مستمر والحبل على الجرار، «حماس» قامت «بالانقلاب العسكري» في غزة. والأجهزة الأمنية للسلطة تقوم بالانقلاب السياسي في الضفة. وبين هذا وذاك تشتعل معارك الاتهامات. بعد الطلاق بالحسم العسكري، بدأ الطلاق بالفرز والشطب.

وفيما تتواصل العملية، يزداد التخندق كل في ساحته، يعمل على جعلها حصنه النقي الصافي.وسط هذه المعمة الفلسطينية، تنصرف إسرائيل إلى متابعة المصادرة والتقطيع في الأراضي المحتلة.

آخر التقارير أنها عملت على زيادة الأراضي المعزولة المخصصة للجدار الفاصل بنسبة 5, 28%، على ما كانت عليه قبل عام. كما قررت زيادة طول الجدار بمسافة 67 كلم، ليصبح 770 كلم. هذا عدا عن متابعة ممارساتها اليومية من حصار وتنغيص لحياة الفلسطينيين ومنعهم أمس من الصلاة في أول يوم جمعة من شهر رمضان.

وما يضيف على المشهد مسحة سوداوية أكثر، هو أن الانفلات العدائي بين الضفة والقطاع، لا يبدو أنه ينحو باتجاه الهبوط في سخونته. على العكس خطابه يأخذ منحى تصعيدياً متزايداً.

والكلام الذي كان قد تردد منذ أسابيع عن محاولات تجري خلف الستار لرأب الصدع وإعادة المياه إلى مجاريها؛ عاد وانكفأ، بل تلاشى؛ ليحل مكانه التقاذف الحاد بقنابل العداء ونسف الجسور. وكأنه يسير باتجاه اللاعودة. وفي ذلك طعنة للقضية، التي لن ينقذها إلا أهلها المطلوب منهم وقف الاندفاع نحو الهاوية.