منذ الحرب الاهلية التي انخرط فيها لبنان منتصف عقد السبعينيات من القرن الماضي وخرج منها باتفاق الطائف مطلع الثمانينيات يثبت الشعب اللبناني في كل المواقف اللاحقة انه استوعب الدرس جيدا ولم يعد مستعدا للانحناء مرة اخرى امام الفتن الطائفية او المؤامرات الخارجية التي لا توفر آلية من آليات زعزعة استقرار البلدان وبخاصة في الشرق الاوسط إلا وتمارسها للابقاء على هذه المنطقة من العالم في حالة تنازع واستقطاب لا ينتهي.

لقد تعرض الشعب اللبناني ايضا لصنوف المجازر التي افتعلتها اسرائيل على وجه الخصوص ، خاصة ونحن نعيش هذه الايام ذكرى مرور 25 عاما على مذبحة صبرا وشاتيلا التي وقعت في الرابع عشر من سبتمبر عام 1982.

كذلك لعبت آلية الاغتيالات دورا مساندا لهدم هذا البلد العربي الصامد لكنه ظل صامدا وشامخا خاصة بعد سلسلة الاغتيالات التي بدأت باستهداف حياة رئيس الوزراء الاسبق رفيق الحريري في منتصف فبراير عام 2005، وكان كل ذلك بهدف جرف لبنان الى حيز الفوضى والحرب الاهلية مرة اخرى واخراجه من ساحة المواجهة مع العدو الاول..اسرائيل.

ميزة هذا البلد الصغير في حجمه وديمغرافيته الكبير في قيمته ووزنه الاستراتيجي انه لم ينصع لأي حالة ضغط او حتى غزو اجنبي لتغيير توازناته السياسية وأولوياته التي يعض عليها الشعب اللبناني بالنواجز، فهاهو الاستحقاق الرئاسي على الابواب والطروحات لحل الازمة لا تنتهي.

لكن لبنان يخرج من ازمة ليدخل اخرى، دون ان ينفرط عقده الاجتماعي وهذا درس كبير في الممارسة الديمقراطية التي لا تنجرف الى الفوضى تحت اي ظرف من الظروف ويظل قادة لبنان وسياسيوه معتمرين مصلحة بلدهم العليا، يطرحون المبادرات ويعارضون الطروحات ويصيرون النصائح والتوصيات حتى ليظن الظانون ان ازمة لبنان هي ازمة عالمية كبرى او ازمة دولة عظمى، لكن الحقيقة التي لا مراء فيها هي ان الصيغة الوحيدة المقبولة لحل الازمة السياسية الداخلية في لبنان هي التوافق، فبدون التوافقية ستظل الازمة معلقة للابد وبخاصة ازمة انتخاب رئيس للجمهورية خلفا للرئيس الحالي اميل لحود.

ويظهر نبيه بري رئيس مجلس النواب اللبناني هذه الايام على مسرح الاحداث بقوة مع طرحه مبادرة مقبولة لدى مؤيدي استقرار لبنان والاقليميين والعالميين، وهي مبادرة التوافق على انتخاب شخص رئيس الجمهورية الجديد على اساس موافقة غالبية نيابية في المجلس بحضور ثلثي اعضائه على الاقل، وقد لقي الطرح المقدم من بري استحسان دول عديدة مثل السعودية وفرنسا وروسيا التي زار نائب وزير خارجيتها بيروت مؤخرا ليؤكد حرص روسيا على ضمان مستقبل جيد للبنان.

اما الولايات المتحدة التي استولى عليها هوس اسمه (حزب الله) فان مواقفها هي دائما بانتظار موقف سابق من اسرائيل، إلا ان تصريح سفيرها في بيروت جيفري فيلتمان امس يشير الى استعداد واشنطن لقبول مبادرة بري وان يكن من طرف خفي عبر اعلان السفير بان بلاده لن تعترف بحكومة لبنانية لا تحظى بأغلبية نيابية، وهو بذلك يلتقى مع بري في فكرة التوافق على مبدأ الانتخاب بالاغلبية النيابية.

واذا كان فيلتمان قد اردف تأييده لمبادرة بري فان العرب جميعا يأملون ان تلتزم واشنطن قبل غيرها بنصيحة فيلتمان ان تجري عملية انتخاب خليفة لحود دون تدخلات خارجية او دعم خارجي لمرشح دون آخر، ليس هذا فحسب بل انه يتعين على واشنطن ايضا ان تكف يدي اسرائيل عن التدخل في شؤون لبنان وبخاصة في الاستحقاق الرئاسي المقرر ان يجري الاقتراع عليه في الخامس والعشرين من هذا الشهر وهو اليوم الذي دعا بري المجلس النيابي للالتئام فيه لانتخاب رئيس الجمهورية، حتى يظل لبنان يقدم نفسه كنموذج في عالم الديمقراطية التي تحترم نفسها.