احتار العالم بأميركا، واحتارت به، فإذا اختل اقتصادها اهتزت الأسواق، وإذا ضغطت سياسياً فإن مجلس الأمن والأمم المتحدة يصبحان بلا دور، وإذا قاطعت دولة ما، أو أوقفت دخول بضائع جهة أو بلد، فإن الخسائر تتراكم على بلد المصدر، وعندما يستمر إنتاجها الصناعي، واستهلاكها الوقود، فإن كوكب الأرض برمته يصاب بالتلوث، ومجموع مصروفاتها على بحوث الفضاء، والأسلحة، والطب، والعلوم الحديثة بما فيها الحواسيب العالية السرعة والتقنية، فإنها تتحمل ما يزيد على ثلثي المصروفات العالمية للدول المتقدمة، المتنافسة لها.

لكنها عندما تحرك أساطيلها وطائراتها، وصواريخها عابرة القارات من دون أن تستأذن أحداً، وترى أن قانونها وحده هو المعمول به، فإن الكارثة ستكون عالية الكلفة عليها، وعلى من تستهدفه، لكن الدولة العظمى تصاب بعمى الألوان، وكل أنواع الحميات عندما يتحدث مؤرخ عن محرقة اليهود، أو اعتبار إسرائيل دولة عنصرية تستخدم وسائل نازية وفاشية، وهي لا تبالي بأقرب حليف بوزن إنجلترا، أو ألمانيا، أن تقف ضدهما على أي سبب ينشأ عن خلاف إستراتيجي، بحسبان أن "باشوات" البيت الأبيض و"باكوات" الكونجرس هم ولاة العالم وقضاته، وهم المسؤولون عن الحق والباطل..

غزت العراق وأفغانستان، ونتيجة لهذا الفعل المتكبر، سارت جموع المتظاهرين في كل دولة لا تناصر العرب والمسلمين، ولكنها تكره الحروب والاعتداءات غير المسوغة.حتى في أميركا تظاهرت مئات الآلاف بل الملايين، ولكن "السادة العظام" من المحافظين الجدد أطلوا على شاشات الفضائيات بابتسامات ساخرة، واستهجان لكل من يعارض حق الممارسات الأميركية، لكن عوامل الزمن عندما أطالت الحربين، وطالت الاحتلال النكسات الهائلة.

طلب من باكستان - نصف الحليف، وثلاثة أرباع العدو - أن تقوم بدورها في مطاردة القاعدة على حدودها، والقبض على رموزها، في الوقت نفسه الذي تمتد فيه اليد الأميركية بمنح نووية سخية للهند، الخصم الأول لباكستان، ولا ترى في هذا أي خطأ، أو ازدواجية في المواقف؛ لأنها دولة عظمى تتصرف وفق أبجديات مصالحها، وكأن الدول الأخرى ذات السيادة ليست حرة، أو بلا حقوق قانونية مشروعة.

ثم نأتي إلى المأزق الأكبر في العراق، الذي دللت الوقائع أنه هزم في ظل مغامرة صدام بغزو الكويت، وكان الانتصار أميركياً بمساعدة دول عربية ودولية، لكن دخول القوات الأميركية بيروت في حربها الأهلية - إرضاءَ لإسرائيل - قاد إلى ضرب المارينز، وهو ما عجل بخروج تلك القوات.

والآن بعد الضغوط الداخلية، ودخول قوى مجاورة للعراق تحرك ساحة الحرب كوسيلة ضغط أخرى على القوات الأميركية، تأتي لتستنجد بدول مجاورة للعراق، وهي التي رفضت حتى أخذ رأيها في الغزو وما بعده، وبهذه التصرفات والمطالب تقف على حبل مهتز، ولكننا لن ندخل ورطة الدولة العظمى ومآزقها..