أيَّاً كانت المبررات والمقولات، فإن الانتحار أو قتل النفس جريمة قاسية جداً، وقرار صعب بشكل لا يمكن تصوره، تبقى الحياة جميلة وتستحق أن نحافظ على آخر دقيقة فيها وحتى الرمق الأخير، برغم قسوة العيش وضغط الظروف وظلم ذوي القربى، برغم الإفلاس والخسارة، وهجر الحبيب، فالحياة لا تتوقف عند لحظة الإفلاس أو الخيانة أو تراكم الديون، إنها النهر الذي لا يمكنك أن تضع فيه قدميك مرتين لأن مياهه تهدر إلى الأمام ولا تعود إلى الخلف أبداً.
مع ذلك فالانتحار موجود، ومنتشر وقديم قدم البشرية وهو ظاهرة ذات جذور نفسية معينة ومحددة، أكثر من كونها سلوكا عاديا مرتبطا بعوامل يمكن تحديدها ببساطة، فليست السويد بلاد التحضّر والغنى والرفاهية كقرى الهند الفقيرة المعدمة المتخلفة، مع ذلك فقرى الهند تشهد نسب انتحار مرتفعة، والذين ينتحرون عندنا هنا في الإمارات معظمهم من الآسيويين الوافدين من تلك القرى، وكما يشكل الانتحار في السويد ظاهرة يومية بسبب الرفاهية، يعتبر الفقر في كثير من المناطق دافعاً للانتحار كذلك.
مع هذا وذاك، فإن الإحصاءات والدراسات التي ترصد سلوك الإنسان في المجتمع، وتتبع الظواهر الطارئة التي تنتج عن اختلال علاقته بمجتمعه أو بيئته أو نفسه كثيرة، ومنتشرة في دول العالم المتقدم، لأنها وسيلة لفهم ما يحصل والتوصل لحلول تفيد الإنسان والمجتمع معاً، وعليه فإن الإحصائية التي أصدرتها وزارة الصحة حول ظاهرة الانتحار في الإمارات تقرأ في هذا السياق تحديداً.
هناك 50 حالة انتحار سنوية في الإمارات، يشكل الذكور الوافدون 94%، من هؤلاء المنتحرين لأسباب مختلفة ومتفاوتة، بيئية واجتماعية ونفسية وثقافية، ولا شك أن اختلال العلاقة مع المحيط ومع الذات هما أول الطريق للتفكير في الخلاص من الحياة، ثم يأتي الفشل في تحقيق الهدف مع وجود توقعات مرتفعة جداً يضعها الشخص لنفسه، أو يحمله ايَّاها الآخرون، ليكون دافعاً لانتحار العديد من هؤلاء الذين يأتون للإمارات للعمل على اعتبار تصورات خاطئة بأن فرصة العمل هنا مضمونة بمجرد الخروج من بوابة المطار.
مستوى الحياة العالي جداً، غلاء المعيشة، الوحدة في ظل قوانين لا تسمح للرجل باصطحاب عائلته إذا لم يتجاوز دخله معدلات معينة، اختلاف النسق الثقافي، صعوبة الحياة وظروف العمل والتنافس ما يحول دون وجود حياة اجتماعية حقيقية تخفف من وطأة تلك القسوة، كل هذا وغيره يمكن أن تشكل دوافع لانتحار البعض وخاصة هؤلاء العمال قليلي الخبرة في مواجهة مجتمعات منفتحة ومغايرة تماماً لمجتمعاتهم التي قدموا منها!
ظاهرة الانتحار ظاهرة عالمية، وهي تزداد يومياً وبمعدلات مقلقة خاصة حين تصل النسبة إلى حالة انتحار كل نصف دقيقة، ما يعني أننا في الإمارات وفي موازاة هذه الضغوط المختلفة مقبلون على مرحلة قد تنهض فيها هذه الظاهرة على رافعة تلك الضغوط وهي بالمناسبة ليست بسيطة جداً، ما يعني أن ينظر للأمر بجدية، وأن يحاط المراهقون والموظفون بمستوى خدمات توعية ورعاية اجتماعية جيدة وخاصة أولئك الذين يعانون مشاكل أسرية أو نفسية معينة، وهذا ما تدعو إليه منظمة الصحة العالمية للدرجة التي خصصت يوم 10 سبتمبر يوماً عالمياً لمنع الانتحار!
