سؤال يطرحه الجميع اليوم: إلى أين يذهب، وكيف سينتهي، الملف النووي الإيراني؟ الحالة القائمة ليست جديدة. فمنذ البداية جرى تصوير الأمور على أن إيران اختارت المواجهة مع الغرب من أجل متابعة برنامجها في تخصيب اليورانيوم وصولاً إلى امتلاك القنبلة الذرية. ومنذ البداية أيضاً أكّدت إيران أن برنامجها النووي هو من طبيعة مدنية صرفة. الغربيون يردون بأن مثل هذا الكلام «لا يخدع أحداً» فإيران القوة البترولية والغازية الهائلة ليست بحاجة إلى مصادر طاقة إضافية.

الملفت للانتباه هو أنه لم تتم أبداً مناقشة «مصداقية» التأكيدات الإيرانية الخاصة بالطابع المدني لبرنامجها النووي. للتذكير كانت إيران قد قبلت في نهاية عام 2003 البحث في «ضمانات جماعية» للبرهان على الطبيعة المدنية لنشاطاتها النووية.

وقبلت عملياً قيام مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية بزيارات - حتى مفاجئة- للمواقع التي يريدونها. بل ووافقت على تعليق نشاطات تخصيب اليورانيوم طيلة مدة المفاوضات التي كانت قد بدأتها مع المفاوضين الأوروبيين والتي كان يُفترض أن تنتهي إلى اتفاق للتعاون الأوروبي ـ الإيراني، الأمر الذي لم يحصل.

الملفت للانتباه أيضا هو أنه لم يتم أبدا الربط سابقا بين ممارسة تخصيب اليورانيوم لأغراض مدنية وبين امتلاك مصادر طاقة أخرى. والمثال الروسي بليغ في هذا المجال فروسيا تمتلك ثروة بترولية هائلة وهي صاحبة أكبر ثورة للغاز الطبيعي في العالم ولديها أيضاً العديد من المفاعلات النووية لإنتاج الطاقة. للإشارة كان تقرير أعدته شركة النفط البريطانية «بريتش بتروليوم» عام 2005 قد أكّد إمكانية أن تصبح إيران مستوردة للبترول في أفق عام 2024.

صلب المشكلة-المعضلة لم يتغيّر منذ البداية. هناك اليوم فقط تصعيد كلامي غربي واضح بل ومهدد برفض أن تصبح إيران قوة نووية، وبالتالي ربط المواقف معها وحيالها بإعلانها تعليق نشاطات تخصيب اليورانيوم. وبالمقابل «عناد» إيراني على أساس موقف لم تتم المساومة عليه منذ البداية وهو الرفض القاطع ل(تعليق النشاطات النووية) مع إضافة «ذات الأغراض النووية».

وذلك تماشيا مع الحقوق التي تنص عليها صراحة المعاهدة الدولية لمنع انتشار الأسلحة النووية والتي كانت إيران قد وقّعت عليها منذ سنوات طويلة في عهد الشاه بينما لم توقع عليها فرنسا مثلا سوى أثناء الفترة الرئاسية الثانية لفرانسوا ميتيران.

لقد قيل الكثير في الملف النووي الإيراني وعنه ليتم الوصول دائماً إلى السؤال التالي الموجود دائماً في الأذهان هذا إذا لم يكن في الأقوال الصريحة، وهو: هل «سيضربون» إيران؟ «واو الجماعة هنا» تعني الغربيين وعلى رأسهم الولايات المتحدة الأميركية.

فأين تقف أوروبا من هذا كلّه؟ السؤال المطروح على أوروبا حيال الملف النووي الإيراني يخفي وراءه سؤالا آخر ربما أكثر جوهرية ويتعلق بالدور الذي يمكن أن تلعبه حيال استقرار منطقة الشرق الأوسط وتوازناتها. فالأوروبيون يتولاهم الشعور أنهم على الخط الأول، بحكم الجغرافيا والواقع البشري، والرأي العام الأوروبي عامة خائف من مغبّة أية مجابهات «غير محسوبة النتائج» قد تصل نيرانها له، والأوروبيون والأميركيون يتفقون منذ البداية في الهدف وهو منع إبران من أن تصبح قوة نووية. الاختلاف قد يكون فقط في الوسائل.

كانت أوروبا في الأصل هي صاحبة المبادرة التفاوضية مع إيران. صحيح أن تلك المبادرة لم تؤد إلى حل الأزمة. ربما انها «جمّدتها» لفترة من الزمن. لكنها، بالتأكيد، سمحت لأوروبا أن تلعب من جديد «دوراً طليعياً» على المستوى العالمي، وهو دور كانت بعيدة عنه.

أو ربما بالأصح «ممنوعة» من ممارسته من قبل «الشريك» الأميركي الأقوى الذي كان يحتل الساحة كلها ولا يقبل أن ينازعه أحد دور «البطولة»، ومع فشل الوساطة و«انحسار» الدور الأوروبي عادت الولايات المتحدة وروسيا والصين إلى «واجهة» إدارة الأزمة التي شغلت، ولا تزال تشغل، العالم كله بسبب ضخامة مخاطرها إذا تفجرت. ولا يبدو هناك اليوم من يملك «مفاتيح» الحل.

من الواضح أن إيران لا تتصرف من موقع الضعيف، بل إنها لم تتردد في تهديد روسيا «الصديقة» بالبحث عن «مرشحين آخرين» من أجل استكمال بناء مفاعل بوشهر إذا أثارت موسكو المشاكل ووضعت العراقيل. تجدر الإشارة إلى أن موسكو تلعب من جانبها ورقة ورشتها في بوشهر لإبعاد أفق أي تفاهم إيراني-أميركي - مع أنه لا يلوح في الأفق- قد يكون على حساب دورها في المنطقة.

وتجدر الإشارة أيضا إلى أن الرئيس الفرنسي نيكولاي ساركوزي قد انتقد بصراحة مؤخرا الدبلوماسية التي تنتهجها كل من روسيا والصين على المسرح الدولي. كان ذلك في سياق حديثه عن الملف النووي الإيراني.

وكانت فرنسا قد حاولت أكثر من مرة صياغة مشاريع قرارات لعرضها على الأمم المتحدة تكون «وسطا» بين رؤيتين: روسية تعتبر الموقف الدولي حيال إيران «مفرطا في تشدده» وأميركية تراه «مفرطا في ليونته». لكن يمكن القول ان الموقف الفرنسي، وخلفه الأوروبي عامة، لم يتغير في جوهره منذ بداية الأزمة.

الرئيس السابق جاك شيراك طالب إيران «بنعومة» بتعليق تخصيب اليورانيوم وفعل الأمر نفسه قبل أيام الرئيس نيكولاي ساركوزي وإنما «بلهجة حادة»،إذا تم تكن «مهددة»، عندما تحدث عن الخيار بين «القنبلة الإيرانية أو قصف إيران». في الموقفين لم تكن هناك «منطقة وسطى».

لا شك أن أوروبا لا تتمنى مواجهة عسكرية مع إيران قد تفتح أبواب العنف المحيط بها أكثر. لكن مشكلتها هي أن صوتها «ليس من رأسها» تقريباً. ثم إن هذا الصوت ليس موحّدا. فبريطانيا تريد أن تبقى «صلة وصل» بين ضفتي الأطلسي. وفرنسا التي كانت «رأس الحربة» في معارضة الحرب على العراق لا تريد خلق أزمة جديدة مع الولايات المتحدة. وألمانيا التي قد يغريها الابتعاد عن أميركا واستعادة دورها «السيادي» فضلت «التأني» والبقاء في موقع متراجع.

مهما يكن من أمر، يبدو أن الأوروبيين يسيرون مع تيار السياسة الأميركية «شاءوا أم أبوا». وهذه ليست المرّة الأولى فالسابقة اليوغسلافية معروفة. لكن ربما ينسون أن الزمن قد تغيّر وإيران ليست يوغسلافيا. كما ان أميركا «ما بعد العراق وأفغانستان» ليست هي أميركا ما قبلهما.

ويبقى السؤال ما الذي تخبئه الفترة القادمة؟ هناك عدة «سيناريوهات» ممكنة. أولّها «لن يحدث شيء» على أساس أن الزمن كفيل بحل المشكلة وهذا هو الموقف الأسهل أمام عناد الخصم. ثانيها ربما يتم الوصول إلى اتفاق، وهذا ما يحبّذه الأوروبيون.

والثالث يكمن في تبنّي «الرد المتصاعد» فيما هو أبعد من تأشيرات الدخول إلى البلدان الغربية والتحرك الدبلوماسي عامة وصولا إلى تجميد الأموال ومنع الاستثمارات وإجراءات رادعة أخرى بحيث يتم دفع «الخصم» للتفكير. وأخيرا «استخدام القوة». هذا الخيار لن يتم اللجوء إليه بسهولة.

ولكن شبح زيادة قوة إيران وسيطرتها على مضيق هرمز وتهديدها لأمن إسرائيل ومنع سباق التسلّح النووي في المنطقة حجج قد تدفع نحو «مغامرة» عسكرية «مجنونة» لكنها قد تتلاءم مع استراتيجية «الفوضى الخلاقة» التي تبدو ملامحها في العراق وأفغانستان وإلى حد ما في لبنان وفلسطين.

ثمّ «إنّ من يحمل بيده مطرقة تبدو جميع المشاكل بالنسبة له كمسامير»، حسبما وصف المفكر البريطاني انتوني جيدنس الاندفاع الأميركي باتجاه العالم في ظل إدارة الرئيس بوش. لكن كل ضربة لا تقتل الخصم تقوّيه.

كاتب سوري