يرى البعض أن موجة التحديث التي تعيشها قنوات التلفزيون العربية على مدى العقدين الماضيين سوف تتجاوز في تأثيراتها الهدف المباشر منها، ويؤكدون بأنه ليس في الأمر مؤامرة تحاك في الكواليس ضد الثقافة والحضارة العربية أو أهداف سياسية يقصد بها النيل من القيم والولاءات، كل ما في الأمر أن تحولات عميقة أصابت المجتمعات في صميمها، وهذه التحولات الكونية طالت كل العالم وربما ما أصاب منها الدول العربية ما زال ضئيلا مقارنة بغيرها من المجتمعات.

وليس خافيا بأن تكنولوجيا الاتصالات وما وفرته من وسائل سهلة وسريعة للتواصل شكلت اللبنة الأساسية لبدء عملية التغيير، ثم جاءت العولمة لتنهي سيطرة الإعلام الحكومي، وشهدت المنطقة العربية طفرة غير مسبوقة في عدد القنوات الفضائية وكان نتاج ذلك أن ازداد التنافس على كسب المشاهد العربي، هذا التنافس الذي ينعكس بمقدار الأرباح التي تجنيها هذه المحطات.

اعتمدت القنوات العربية على المحطات الغربية التي كانت قد سبقتها في هذا المشوار الطويل، كان البادئ في التغيير القنوات الأميركية التي دخلت في منافسة ضارية فيما بينها لكسب المشاهد الأميركي. اعتمدت أسلوبا جديدا في تصميم البرامج أثار موجة من السجالات بين مؤيد ومعارض لها.

فقد وضعت البرامج تحت الاختبار بعرضها على عينة من المشاهدين تم اختيارهم كيفما اتفق من الشارع وقامت بإحداث التغييرات المطلوبة بحسب أذواقهم، ومن هذه النقطة بدأت هذه القنوات تطور أفكارها تباعا بإشراك المشاهدين والجمهور.

كانت هذه الخطوة الأولى التي أثارت النقاش بين الذين رأوا في ذلك استجابة لذوق الجمهور، وبين الذين وجدوا فيه عملية تخضع البرامج لمستويات أدنى. وتطورت هذه السجالات فيما بعد إلى مواقف متباينة ما زالت قائمة إلى الآن بين مفكرين من أصحاب الميول النخبوية الذين يتخوفون من إدماج العمل الأصلي في ما هو شعبي لتأثيره السلبي على الأفكار المبدعة، وذوي الاتجاه الذين فضلوا التعددية مقابل التوحيد في الأذواق والقيم وممن رأوا إمكانية التعايش والتجاور بين مختلف أشكال الفنون والثقافات.

ويمكن القول إن القنوات العربية كررت تجارب المحطات الغربية، بل إن برامجها جاءت مطابقة لهذه الأخيرة، حيث اعتمدت برامج تم اختبارها وهي مضمونة الأرباح. وعلى الرغم من أن المشروع بدا مشروعا ربحيا في الأصل.

إلا أن هناك من يشير إلى تأثيراته غير المنظورة والتي ستحدث تغييرا في واقع المواطن العربي، فقد أصبح هناك فسحة أكبر للتعبير عن الرأي، خصوصا مع انتشار برامج «التوك شو» وتلفزيون الواقع اللذين سمحا بالتطرق إلى العديد من المواضيع التي لم يسبق أن تجرأ أحد للتطرق إليها من قبل، وبات من غير الممكن بعد الآن تجاهل التأثيرات التي تحدثها هذه التطورات التي سوف تصوغ رؤية المشاهد العربي للأشياء شئنا ذلك أم أبينا.

والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هو هل كان من الممكن البقاء خارج هذه التحولات، خصوصا وان القنوات المحلية العربية كانت قد فقدت بريقها وعزف العديد عن مشاهدتها باتجاه مشاهدة قنوات أكثر جرأة على الصعيد السياسي والاجتماعي.

وليس خافيا أن برامج الحوارات الأميركية يشاهدها الملايين من كل أنحاء العالم وبدأت تلقى رواجا في مجتمعاتنا التي لم تعد مغلقة على نفسها بعد أن أصبح التنقل أكثر سهولة ورؤية العالم أكثر يسرا مع انتشار الانترنت والأقمار الصناعية وصور الفيديو، بل هناك من أشار إلى منحى التحول الذي يصيب مدن العالم والتي تتحول تدريجيا إلى فسيفساء من الثقافات والأمزجة والأذواق. وتصف الكاتبة الراحلة مي غصوب هذا التحول بأنه «التحول الحقيقي من عالم ذي ثقافات وطنية محكومة بحدودها إلى آخر ذي هوية مستمدة من المدينة العالمية».

من المؤكد بأنه بالنسبة للدول العربية الأمر لم يعد الأمر يتعلق بتباين في وجهات نظر بين من هو شديد الحساسية تجاه هذه التحولات ويرثي لكل ما هو أصيل، وبين من يأخذ الأمور بخفة أكثر وربما يستمتع بهذه التحولات، بل هو دليل لما درجت تسميته بالقرية الكونية وانهيار حدود المكان والزمان، يتلاقيان مع شروط السوق ومنطق الربح والخسارة.

لقد أحدثت تكنولوجيا الاتصالات تأثيرات عميقة في المجتمعات من حيث لا تدري ولا يدري العلماء الذين ساهموا في إحداثها، ومن الطبيعي في ظل هذه التحولات أن تجد المجتمعات نفسها أمام تحديات جدية، وأن يجد الإنسان العربي نفسه معنيا بثقافته أكثر من أي وقت مضى. لقد استدرك العديد من الدول هذه التأثيرات ويعملون على معالجتها، فهل سيعمل العرب على اللحاق بها خصوصا وان هناك أولا معضلة اللغة العربية التي تفقد بريقها بالنسبة للأطفال والمراهقين بعد وفاة المؤلفين الجادين.