في «الأيام» يروي طه حسين شطراً مهماً من حياته المثيرة للجدل، وهي حياة طويلة ومنتجة امتدت ثلاثة وسبعين عاماً من القرن الماضي، وأحد عشر عاماً من القرن الذي سبقه، فقد ولد في الرابع عشر من نوفمبر من العام 1889 وتوفي في الثامن والعشرين من أكتوبر للعام 1973.

وإذا كان كتابه «في الشعر الجاهلي» الذي نشره في العام 1926 قد أثار لغطاً كثيراً حينما ذهب طه حسين إلى اعتبار أن أغلب الشعر الجاهلي ـ وليس جميعه ـ هو شعر منحول تم وضعه بعد ظهور الإسلام، فإن كتابه «الأيام» لا يقل إثارة وإن كان بشكل أخف كثيراً.

فقد ثارت نقاشات عديدة في مصر في الآونة الأخيرة حول هذا الكتاب وتحديداً في تلك الأجزاء الطويلة التي ينتقد فيها طه حسين الأزهر الشريف من حيث مناهجه وطرق تدريسه فضلاً عن أجوائه الاجتماعية بالذات تلك المتعلقة بالعلاقة بين شيوخه ومريديهم من جهة، وبين شيوخه بعضهم بعضاً من جهة أخرى.

هذه الأجواء الأزهرية التي ينقلها صاحب «الأيام» كانت هي السائدة حينما وطأت قدماه أرض الأزهر الشريف طلباً للعلم في العام 1902 وهو صبي في الثالثة عشرة من عمره. وهي بلا شك أجواء قد تغيرت بفعل تطور الأزهر وتحوله إلى جامعة عصرية منذ ثلاثينات القرن الماضي.

وقد اعتبرت الأوساط الثقافية الرسمية أن كتاب «الأيام» أحد المؤلفات الأدبية الرائعة التي لا غنى للناشئة عن الاطلاع عليه بناءً لذائقتهم الأدبية والفنية. والحق، أن كتاب «الأيام» أثر من آثار الأدب العربي الحديث، فهو ليس سيرة حياة طه حسين إلى مرحلة أواخر العشرينيات من القرن الماضي، بل قطعة فنية انتقيت ألفاظها وكلماتها بعناية ليمثل إضافة لأسلوب الكتابة العربي الحديث.

ومن غير المعروف لماذا توقف طه حسين عن إكمال سيرته الذاتية لتشمل شطراً كبيراً من حياته، بيد أنه من المعروف في حياتنا الثقافية أن السير الذاتية تعتبر أقل أنواع الكتابة وأندرها، ولعل اشتغال طه حسين بالحياة العملية وانخراطه في الشؤون العلمية والسياسية واللغط الذي دار حول كتبه وكثرة خصومه، لعل تلك الأسباب جعلته زاهداً في مواصلة بسط سيرة حياته ونشرها على الملأ.

و«الأيام» كسيرة ذاتية هي مثال للأعمال الأدبية التي يجب أن يطلع عليها الناشئة وتكون أجزاء منها أو كلها ضمن المقررات الدراسية، فهي تحوي بين دفتيها قصة كفاح شخص، شاء القدر أن يفقد أهم حواسه وهي نعمة البصر منذ أن كان طفلاً يافعاً، وهو بكده وتعبه وفرط ذكائه ارتقى إلى أعلى الدرجات العلمية وتبوؤ أرفع المراتب الاجتماعية.

فعاهته لم تمنعه من أن يبز أقرانه بتحصيل العلم، ومثابرته لم تتح له نيل شهادة دكتوراه واحدة فحسب ـ وهي ما يعجز على حصولها كثير من المبصرين ـ بل إلى شهادتين، إحداهما من بلده وأخرى من فرنسا، وطموحه لم يقده فقط إلى عمادة كلية الآداب ورئاسة الجامعة بل إلى سدة وزارة المعارف أيضاً.

إن نبوغ طه حسين ظهر مبكراً يوم أن حفظ القرآن الكريم ولم يتم التاسعة من عمره ليطلق عليه لقب «شيخ» في هذا العمر الصغير، ويوم أن حفظ «ألفية بن مالك» في عشرة أيام، وحينما التحق بالأزهر وهو ابن الثالثة عشرة عاماً دون أن يعوقه إلى ذلك فقدان بصره الذي أصابه «بحزن عميق صامت» منذ أن كان صغيراً.

ومن حسن حظه أنه خبر الأزهر (1902) «في آخر أيامه السعيدة» ـ كما يكتب طه حسين ـ حيث كان طلب العلم فيه «يعتمد على الرغبة والإرادة أكثر مما يعتمد على الدقة المقررة والنظام المحتوم»، وحيث كان الكثير من «الأساتذة والطلاب يؤثرون العلم على أهلهم وأوطانهم».

ولم تكن حياته في الأزهر هينة لينة، ولم تكن طريقه مفروشة بالورد، فطالما تركه أخوه وحيداً في حجرته لساعات طوال، وكم قاسى من الحرمان معتمداً على العسل الأسود ومعتاشاً على الفول والمخلل والكرات. ولشد ما كان تألمه يوم أن ذهب لامتحان القرآن الكريم توطئة لانتسابه للأزهر الشريف، ذلك الامتحان الذي جاءه على حين غرة، حيث علم عنه بعد أحد دروس الفقه مباشرة، إذ ما إن تلا بعض الآيات من سورة الكهف وأخرى من سورة العنكبوت حتى قال له أحد الممتحنين: «انصرف يا أعمى فتح الله عليك».

وسرعان ما تأثر «الفتى» بجو الأزهر الذي كان يشيعه الإمام محمد عبده بآرائه الجريئة والنيرة، وسرعان ما بدأ يصدع بها حينما كان يعود إلى بلدته الصغيرة في الريف المصري بالذات تلك المتعلقة منها بحرمة التوسل إلى الأنبياء واستهزائه بكرامات الأولياء مما كان يغضب سامعيه ويثير حنقهم.

وكم تألم لوفاة الشيخ محمد عبده، وكم «أحس أن الذين بكوا الشيخ صادقين وحزنوا عليه مخلصين لم يكونوا من أصحاب العمائم، وإنما كانوا من أصحاب الطرابيش، فوجد في نفسه ميلاً خفياً إلى أن يقترب من أصحاب الطرابيش هؤلاء، وإلى أن يتصل ببيئاتهم بعض الاتصال».

وكان ما يعزز هذا الميل الخفي لأصحاب الطرابيش ولع طه حسين الطبيعي إلى النقاش والمحاورة وهو أمر لم يكن معهوداً في تلك الأيام في أروقة الأزهر وبين شيوخها المعممين، فكان يلقى الصد والاستخفاف بل والاستهزاء في بعض الأحيان من هؤلاء للملاحظات التي يثيرها.

ومما زاد الطين بله اكتشافه للأدب كلون آخر من ألوان المعرفة يختلف كثيراً عن العلوم الشرعية والنحو والبلاغة وغيرها مما كان ملزماً بها الأزهري، إذ بدأ في فترة الراحة وهي الضحى، بحضور حلقة لأحد المشايخ كان يدرس فيها كتاب الكامل للمبرد. وفي إحدى المرات وهو يجادل شيخه الذي كان يدرسه البلاغة رد هذا الشيخ على طه حسين قائلاً: «دع عنك هذا يا بني، فإنك لا تحسنه وإنما تحسن هذه القشور التي تقبل عليها في الضحى، فأما اللباب فلم تخلق له ولم يخلق لك»!!

وصدقت نبوءة الشيخ من حيث لا يقصد، فحينما «اتصل ببيئة الطرابيش بعد أن سئم من بيئة العمائم» ـ كما يكتب ـ وبعد أن توطدت علاقته بلطفي السيد ـ إمام المطربشين ـ «بحيث كان يلقاه مرات كل أسبوع» تنبأ له هذا «بأنه سيكون موضعه من مصر موضع فولتير من فرنسا».

كاتب كويتي

alyusefi@hotmail.com