انعقدت قمة المنتدى الاقتصادي لبلدان آسيا والمحيط الهادئ «آيبك» بعد أن بحثت العديد من القضايا التي قد لا تعتبر ملحة وآنية، إلا انها تتسم بأهمية كبيرة لتحسين مستقبل البشرية.ولعل ملف تغيرات المناخ كان من ابرز هذه القضايا.
وإذا التزمت الدول بتنفيذ قرارات القمة فان توسيع مساحات الغابات حتى عام 2020 بمقدار 20 مليون هكتار مما سيتيح امتصاص 4,1 مليار طن من غاز ثاني أوكسيد الكاربون وهذا يكافئ 11 بالمائة من الغاز يطلق سنويا.وقد لا يمس هذا القرار القضايا الساخنة اليوم إلا أنه يمس مصير اسر أبنائنا وأحفادنا، وهو أمر يحمل أهمية لكل إنسان.
لقد تعود السياسيون التعامل باستخفاف مع الفعاليات الدولية أو المحلية التي تتناول قضايا من هذا النوع، ليرسخوا اعتقادا بأن القضايا الأكثر حيوية وأهمية هي تلك التي تتعامل مع ملفات السيطرة على الطاقة، أو استخدام القوة العسكرية للهيمنة على القرار السياسي لدولة أو لعدة دول.
وقد نوافق على أهمية هذه القضايا إلا ملفات من نوع تغير المناخ وامن الطاقة والصحة والتعليم لا تقل أهمية ايضا، لأنها تمس بشكل مباشر مصير المجتمع البشرى من خلال تحسين ظروف الحياة في المستقبل، والتي بدأت تتدهور في الفترة الأخيرة ليس فقط بسبب سوء إدارة القادة السياسيين لبلدانهم، وإنما بسبب التغيرات والطفرات التي تحدث في الطبيعة، وبسبب سوء استثمار الإنسان للثروات الطبيعية.
وللأسف أن منطق القادة السياسيين الضيق هو الذي يفرض نفسه، إذ إن بيان سيدنى الذي تناول مشاكل تغييرات المناخ وتلوث الجو وأمن الطاقة، بل وطرح حلول لبعض القضايا، وتحدث عن التزام الدول المشاركة بتقليص إطلاق الغازات وسعة الطاقة، لم يتضمن فترات لانجاز مقترحاته ومهام يلتزم المشاركون بتنفيذها، ما جعله يتحول لمنصة احتفالية تذكرنا بالأزمات العميقة التي ستواجه أبناءنا وأحفادنا على هذا الكوكب، دون أن نسعى لحلها، بل أننا نواصل من توسيع آثارها وأضرارها.
ولكن يمكن القول إن المشاركة الروسية عادت بالفائدة على روسيا، ليس من خلال أعمال المنتدى، وإنما كانت الفرصة لتوثيق صلات التعاون مع موسكو وسيدنى، وأسفرت عن عقد توريد استراليا 4 آلاف طن يورانيوم سنويا إلى روسيا.
وبالرغم من أن العديد من القيادات السياسية الأسترالية عارضت توقيع هذه الاتفاقية، خوفا من أن تقوم موسكو بتوريد هذا اليورانيوم إلى إيران، التى ستستخدمه في إنتاج الأسلحة النووية، خاصة أن روسيا لم تصادق بعد على ملحق بروتوكول للوكالة الدولية للطاقة الذرية، لذا موسكو لم تلتزم بعد بتقديم معلومات عن صادرات من اليورانيوم أو الوقود النووي، أو بالسماح لمفتشي الوكالة بزيارة منشآتها النووية.
إلا أن الحكومة الأسترالية بأغلبية كبيرة اتخذت قرارا بالتعاون مع روسيا، وتغلبت رؤية السياسيين الموضوعيين على الاتجاه المتأثر بالدعاية الغربية، الذي يصور سياسة موسكو على أنها سياسة مغامرة متهورة لا تدخل في حساباتها مصالح روسيا. وهو أمر يدعو للعجب.
خاصة وأن الاتجاهات التي تتحدث عن أن روسيا ستستورد اليورانيوم لتوريده إلى إيران والتي ستستخدمه في تصنيع الأسلحة النووية، لم تفكر على الإطلاق في مصالح روسيا والكرملين ومدى تأثرها بتواجد أسلحة وصواريخ نووية بالقرب من حدودها، وفى إقليم وسط آسيا التي تعتبر روسيا القوة العسكرية الضاربة الأولى فيه.
ويغلب الاتجاه الواعي في حكومة أستراليا التي تملك أكبر احتياطي من خامات اليورانيوم في العالم، لصالح البلاد، وتم توقيع اتفاق حول توريد اليورانيوم الأسترالي لسد احتياجات صناعة الطاقة النووية الروسية بقيمة مليار دولار سنويا.
وستبدأ التوريدات عمليا بعد أن يصادق برلمانا البلدين على الاتفاقية. ومن المفروض أن تستغرق المصادقة على هذه الاتفاقية ما لا يقل عن سنة، إلا أن حرص سيدنى على أن يوقع الاتفاقية الرئيسان الروسي والأسترالي، لم يكن بسبب قلق البعض من وصول هذا اليورانيوم إلى إيران، وإنما من أن يصبح من عناصر الآلة العسكرية الروسية. لذا كان توقيع الاتفاق على هذا المستوى السبيل للحصول على ضمانات بعدم استخدام خامات اليورانيوم الأسترالي في الأغراض العسكرية وحصر الاستفادة منها في قطاع الطاقة الذرية السلمي.
وتجدر الإشارة إلى أن استخراج وتصدير اليورانيوم في استراليا يخضع لإشراف الدولة التي تطالب البلدان التي ترغب باستيراد هذه المادة منها باستبعاد أي احتمال للاستخدام العسكري لليورانيوم الأسترالي، وتحرص روسيا أن تمتلك اكبر مخزون من اليورانيوم باعتبار انه عنصر أساسي وضروري في برامج استخدام الطاقة الذرية. حيث تحتاج المحطات الكهرذرية الروسية وقطاع صادرات الوقود النووي إلى 8 ـ 9 آلاف طن من اليورانيوم في السنة. ومن المتوقع أن تصل حاجة روسيا الإجمالية من هذه المادة الخام حتى عام 2020 إلى مستوى 28 ألف طن في السنة.
وقد تمت المصادقة عام 2006 على برنامج فدرالي لتطوير قطاع الطاقة الذرية، يتضمن قيام روسيا ببناء محطات كهرذرية في حين تكثف المؤسسات الروسية العاملة في قطاع الطاقة النووية احتلال موقع لائق في سوق الوقود الذري العالمية وكذلك مساعدة الدول الأخرى التي تود تطوير صناعة الطاقة الذرية بخدمات تخصيب اليورانيوم. وقد أعلنت وكالة الطاقة الذرية الروسية انه سيتم تخصيب اليورانيوم الأسترالي في مجمع أنغارسك الكيماوي في سيبيريا الذي ربط بضمانات الوكالة الدولية للطاقة الذرية.
واتفاق موسكو وسيدنى حول توريد اليورانيوم هو ثاني اتفاق توقعه موسكو خلال السنوات الثلاث الأخيرة والذي سيمكنها من الحصول على احتياجاتها السنوية من اليورانيوم، باعتبار إن الاحتياطي المجدي لا يتجاوز أكثر من 170 ألف طن، ما يعادل 28% من احتياطيات روسيا من اليورانيوم، والتي تقدر بحوالي 600 ألف طن.
وستضطر روسيا خلال السنوات المقبلة إلى زيادة إنتاج اليورانيوم بنحو 4. 1 مرة في عام 2010 و4 3. مرات في عام 2020، وذلك لكي تضمن تزويد محطاتها الكهروذرية بالوقود وتستمر في تصدير الوقود النووي واليورانيوم غير المخصب إلى الأسواق العالمية. وتعتبر موسكو أن التعاون مع كازاخستان في مجال الطاقة النووية، من أهم الضمانات لعدم تعرض الاقتصاد الروسي لأزمات.
حيث تعتبر كازاخستان واحدة من3 دول في العالم تسيطر على 70% من احتياطيات العالم من اليورانيوم الخام الرخيصة (40 دولارا للكيلوغرام).وتبلغ حصة هذه البلدان في إنتاج العالم من اليورانيوم 60%، ومن الواضح أن كازاخستان تمثل المصدر الأقرب إلى روسيا، التي يتوقع أن ينفد مخزون اليورانيوم لديها في عام 2015. لذلك لن تستطيع روسيا دون كازاخستان توفير أمن الطاقة للاتحاد الأوروبي ولا لنفسها.
إن الاهتمام بخامات الطاقة النووية لم يعد بسبب الجوانب العسكرية، وإنما لأن هذا القطاع بدأ يتحول لسوق عالمي هام يمكن أن يكون السوق البديل لأسواق النفط والغاز، والتي تتجاوب مع مساعي قمة سيدني، في تقليص أثار التلوث وعلى البيئة.
مركز دراسات الطاقة - روسيا