عندما وقعت أحداث 11 سبتمبر 2001 وهي معروفة لدى الجميع، بأنها أحداث التفجيرات الإرهابية التي طالت الولايات المتحدة بجرأة، وقف العالم أمامها صامتاً ساكناً، إلى أن أشارت لنا الإدارة الأميركية إلى أن العدو قد بدأ الحرب على العالم الغربي ونحن قلنا نعم.

ثم أشارت لنا الإدارة الأميركية أن هذه الحرب تعني أن من يكون خارجها هو عدو الولايات المتحدة اللدود ونحن قلنا نعم، وثم أشارت لنا أن الحرب على الإرهاب يجب أن نكون جميعناً وقوداً لها وقلنا نعم، وأشارت لنا أن هذه الحرب قد تتطلب من حكوماتنا أن تشن حرباً حتى على مواطنيها في الداخل إن تتطلب الأمر وقلنا نعم.

ومر علينا سبتمبر الأول بحرب ضد نظام طالبان في أفغانستان وضد القاعدة فيها، وجيشت الولايات المتحدة وحلفاؤها جيوشاً جرارة لتضرب صخرة هناك أو جبلاً هنا أو بيوتاً وأكواخاً من الشعر أو قرى نائية وقلنا نعم. وثم خرج لنا بوش وقال النصر كان حليف الولايات المتحدة فقد دمرنا القاعدة في أفغانستان ولم يعد هناك سوى الحطام وقلنا نعم وتنفسنا الصعداء على أساس أن نار الولايات المتحدة قد بردت على اثر مقتل العشرات من المدنيين الأبرياء في بلد مسلم.

وما كدنا نقول نعم حتى جاء سبتمبر الثاني لتشير فيه الولايات المتحدة إلى أن هناك قائمة من الدول المارقة التي تدعم الإرهاب وتزوده بالأسلحة ليقتل ويقاتل الولايات المتحدة ومصالحها الحيوية. وبالرغم من أن أوروبا قالت لا للولايات المتحدة قال العرب نعم خجولة مكسورة لان الضحية هذه المرة لن يكون بلدا مسلما فحسب انه بلد عربي مسلم ومتطور ونقطة إستراتيجية في صراع القوة والتوازن في المنطقة العربية، وانهياره كان سيعني خرابا ودمارا وانهيارات متتالية ستطال كل الدول العربية ولكن العرب معروفون برؤيتهم الضيقة والآنية ورفع شعار (دفع الآتي بالآني).

وبعد أن أعدت الولايات المتحدة العدة والعدد جاء علينا سبتمبر الثالث بخطى ثقيلة استهلت بغزو العراق، تلك الكارثة المرة التي ندفع جميعا ثمنها بل والإدارة الأميركية والمخططون لهذا الغزو الذي غير تاريخ وجغرافيا الوطن العربي لسنوات.

رئيس الولايات المتحدة أصر إلا أن يحرق العراق في اعتقاد منه انه بذلك ينتهز الفرصة المتاحة لتبرير الحروب والغزوات تحت قانون الحرب على الإرهاب وعلى أساس أن هذا الغزو سيجعله إمبراطور الشرق الأوسط وان إسقاط البيدق العراقي والذي هو أقوى بيادق رقعة الشطرنج الشرق أوسطية سيعني كش مات لكل البيادق المعادية الأخرى، سوريا، إيران وبل وحتى كوريا الشمالية هذا ما جرى في سبتمبر الثالث.

سبتمبر الرابع شهد تصعيد الجدل حول الملف النووي الإيراني على اعتبار أن الأوان قد حان لتصفية الحسابات لكن هذه القضية حسمت وسريعا بعد أن تلاحقت أحداث الأرض في العراق بالطريقة التي لا تشتهيها سفن الإدارة الأميركية.

فالعراق لم يكن إلا كارثة على القوات الأميركية وارضاً من نار تحرق دون هوادة وتركيبة من المتمردين لم تعد الولايات المتحدة وقوات التحالف الأخرى تجد لها خيطا يربط أجزاءها بل ان الحرب ضد القوات الأميركية لم تكن إلا نيرانا توجه من كل الجهات والاتجاهات لا هوادة فيها.

وصولا إلى سبتمبر الخامس الذي وصلت فيه الحرب على الإرهاب إلى طرق مسدودة وصارت عملية تصفية الحسابات صورة من أسوأ صور الفشل الأميركي. حيث إن أعداء الأمس صاروا أنداداً للولايات المتحدة وجنة العراق التي رسمتها إدارة بوش للعالم وللشعب الأميركي زادت من ضحايا 11 سبتمبر وزاد الشعب الأميركي ألما وحزنا بل إن أحداث سبتمبر لم تعد شيئا أمام أحداث كارثة غزو العراق.

وها نحن اليوم نحن العرب والولايات المتحدة الضحية والجاني، الفريسة والصياد، الحطام والمحطم، ما هو الذي وصلنا إليه وما هو الذي وصلت له الولايات المتحدة؟، في قياساتنا نحن كدول عربية صار اليوم الإرهاب هو كل سلبيات غزو العراق فكل تلك السلبيات لم تكن موجودة قبل 2003 إذن نحن بصمتنا والنعم التي تمسكنا بها قدمنا لأنفسنا كوارث لا نهاية لها كوارث سياسية وإستراتيجية وبشرية صرنا ندفع ثمنه يوميا وربما سنصل إلى وقت ستكون الكوارث بلا ثمن بل وان قدرتنا على إنهاء الكوارث ستصل إلى النهاية.

أما الولايات المتحدة وهي تتذكر سبتمبرها الأخير تصل اليوم إلى نتيجة صفرية في حسابات القوى الكبرى، فليس بمقدورها تغيير أي شيء من واقع الكارثة في العراق وليس بإمكانها أن تتخذ أي خطوة أخرى في حربها على الإرهاب.

حيث إن العراق شل كل المخططات والأفكار الكبيرة التي رسمتها إدارة بوش، ولم يعد بإمكانها أن تتخذ أي خطوة حيال القضايا التي هي فعلا تمثل تهديدا مباشرا للولايات المتحدة، بل إن الوضع وصل من السوء إلى درجة أن الولايات المتحدة بكل قوتها وقادتها تبدو حتى دون خطة للانسحاب من العراق تحفظ لها ماء الوجه، وان لا سبيل سوى الانسحاب هروبا بنفس سيناريو الانسحاب من فيتنام وربما بسيناريو أكثر قبحا وعارا.

ما الذي جنته الولايات المتحدة من سبتمبراتها المتتالية سوى الخراب ودمار بلد عربي كان يعد دعما للاستقرار في المنطقة؟ ما الذي حققته إدارة بوش من انتقامها المزري وأدائها الرديء في قيادة الحروب والنزاعات الدولية؟

عموما هذا ما وصلت إليه الحال في سبتمبر الأخير ونرجو جميعا أن يثب صوت عاقل في الولايات المتحدة يقول كفى انتقاما لسبتمبر جرى منذ سنين دون أن نحدد جانيا ودون أن يظهر مسؤول حقيقي عن ما جرى، وربما لا وجود لصوت عقل في الولايات المتحدة لكن تقرير بترايوس الأخير افهم العالم بان الولايات المتحدة قد وصلت إلى نهاية الطريق في نهاية سبتمبرها الأخير.

كاتبة عراقية