دعونا نحصي الأزمات التي ألمت مؤخراً بأتعس رؤساء أميركا حظا. فاثنان من أقرب المقربين إليه من ولاية تكساس قررا الهروب والقفز من السفينة. أما الأول الذي يعرف بعقل بوش فهو كارل روف، مهندس التلفيق الإعلامي لدى الرئيس. ثم انضم لموكب الراحلين لسان حاله القانوني: وزير العدل الذي لا ينسى ألبرتو غونزاليس.
وعندما حاول الرئيس بوش مهاجمة نوري المالكي، رئيس الوزراء العراقي، شن الأخير هجوما على تصريحات الرئيس بالقول إن الحكومة العراقية فشلت في تفعيل المعايير التي أرستها واشنطن، حيث رد المالكي بالقول إن العراق لديه أصدقاء آخرون يمكنه اللجوء إليهم. ومن المفترض أن قائمة أصدقاء المالكي بالطبع تبدأ بإيران. وبعد ذلك بيوم واحد، تراجع بوش عن تصريحاته وقال إن المالكي هو بمثابة «صديقه الجيد» ويتمتع بكل دعم أميركي ممكن.
وفي الحديث نفسه، ربط الرئيس وبشكل مفاجئ حرب فيتنام بحرب العراق، مؤكدا أن الانسحاب من العراق ستكون له عواقب وخيمة مثل عواقب الانسحاب من فيتنام وسيؤدي إلى اندلاع صراع مرير سيتسبب في تفتيت أوصال الأمة العراقية وأن هذا هو السبب في بقاء القوات الأميركية حاليا هناك.
وسخرت مواقع الإنترنت من تلك التصريحات من جانب بوش، قائلة إن «بوش كانت لديه خطة للانسحاب من فيتنام ولكنه ليس لديه أي شيء فيما يتعلق بالعراق»، وفور إطلاق تلك التصريحات، رد عدد من المؤرخين بالقول إن قراءة الرئيس لما حدث في فيتنام والهند الصينية بعد انسحاب أميركا من هناك يفرض عددا من الأسئلة.
أحد هذه الأسئلة هي ما إذا كان غزو الولايات المتحدة لكمبوديا وفيتنام له علاقة أكبر مما في أذهان الناس بما تعرض إليه الملايين من مذابح أثناء الحرب وما تسببت فيه الحرب من نزوح جماعي، كما أن ذلك الغزو يذكر الجميع بأن الرئيس نفسه قد أعد العدة لقضاء جزء من وقته آمنا في تكساس بعيدا عن الخدمة العسكرية.
كما أن نائبه الآن ديك تشيني قد أجل الالتحاق بالخدمة العسكرية خمس مرات من أجل الهروب نهائيا من الالتحاق بالجيش، وذلك في الوقت الذي كان فيه هناك ثلاثة ملايين أميركي يتناوبون على خوض تلك الحرب، ثم جاءت مسألة التقريرين المقدمين للكونغرس بواسطة الجنرال دافيد بيتريوس والسفير الأميركي لدى العراق ريان كروكر حول القوات الأميركية في العراق، فحتى قبل أن يعترف البيت الأبيض بأن قسمه السياسي هو الذي قام بكتابة ذلك التقرير وأن بيتريوس وكروكر أدليا بشهادتهما في جلسات مغلقة في كابيتول هيل.
لذا فمن الصعب على الإدارة الأميركية أن تروج لأي إشارات واقعية تفيد بأن تحسنا في الموقف الأمني قد أدى إلى أي تقدم سياسي في بلد يعاني التشرذم الطائفي. وعلى الرغم من حقيقة أن عدد الجنود الأميركيين الذي يقتلون في العراق قد انخفض إلى النصف خلال الشهرين الماضيين، إلا أن الحقيقة تشير أيضا إلى أن عدد القتلى من المدنيين العراقيين بسبب العنف الطائفي قد زاد بمعدل الضعف وذلك في الوقت الذي تتزايد فيه الاختلافات بين أعضاء الحكومة العراقية ويقف البرلمان موقف المتفرج.
وبعيد تقديم التقريرين للكونغرس، فإن البنتاجون ستقدم أحدث متطلباتها بشأن الحرب في العراق والمتمثل في زيادة مالية تقدر بـ 50 مليار دولار تأتي مضافة إلى ال147 مليارا التي صوت لصالحها الكونغرس لمواصلة الحرب هناك مؤخرا، وهو المبلغ الذي يرفع من حجم الإنفاق الشهري على العراق حتى الآن إلى 15 مليار دولار.
ومن هنا فإنه يرجى من الجميع تجاهل حقيقة أننا لا نجد المال الكافي لإصلاح نظام التحكم في حركة ملاحتنا الجوية وشبكة الطرق والجسور المتهالكة والصرف الصحي وأنظمة المياه وأنظمة الرعاية الصحية ل74 مليون مواطن أميركي لا يستطيعون تحمل نفقاتها إلى جانب المشكلات التي تعانيها قواتنا المسلحة المنهكة بسبب الاشتراك في أكثر من جبهة في وقت واحد.
هل هي إذا مفاجأة بعد كل تلك الحقائق أن نسمع أن رئيسا في تلك الوضعية الحرجة وفي آخر 16 شهرا له في الحكم قد بدأ التحدث عن إيران بهذا الشكل التهديدي ويعمل على ترهيب الأميركيين مرة أخرى بشبح الإرهاب من أجل دفعهم إلى قبول قراراته بصرف النظر عما إذا كانت تلك القرارات عقلانية أم لا؟
متى يمكننا توقع أن يجد الرئيس بوش نقطة تحول أوعذرا جديدا أكثر عقلانية يبرر به مواصلته لهذا الأسلوب غير المقبول في إدارة حرب بدأها ولا يستطيع إنهاءها؟ متى سيدرك أنه يكفي ما حدث؟
خدمة «لوس أنجلوس تايمز» خاص لـ «البيان»