تلقت استراتيجية البيت الأبيض في العراق ضربة موجعة، باغتيال حليف رئيسي للجيش الأميركي في الانبار، قبل أن يتلاشى صدى حديث الجنرال ديفيد بترايوس قائد القوات في بغداد، وترويجه في تقريره للكونغرس

لانتصار استثنائي بانضمام مؤتمر صحوة الأنبار بزعامة عبد الستار أبو ريشة إلى حرب واشنطن ضد الإرهاب وتنظيم القاعدة، الذي تحول إلى «فزاعة» لكل من يجرؤ على المطالبة بانسحاب من العراق.

فالحاصل ان بترايوس ورفيقه السفير ايان كروكر بذلا جهدا متفانيا لإقناع الكونغرس بان استراتيجية الرئيس جورج بوش ناجحة، وتستحق أن يمنح لها وقتا إضافيا، وان البديل هو الكارثة في حال الاضطرار لسحب القوات من هذا البلد.

وأظهرت مواقف الديمقراطيين وبعض من الجمهوريين ان تقرير بترايوس وكروكر غير مقنع، وفشل في ستر «عورة» استراتيجية فاشلة، بل رأى قادة بارزون في الحزبين أنها محاولة جديدة لاستنساخ موقف وزير الخارجية السابق كولن باول وخطابه التبريري لشن الحرب على العراق أمام مجلس الأمن، استناداً لذريعة درء خطر أسلحة الدمار الشامل التي يمتلكها العراق، وهو الذي ظهر زيفه وتبين انه كذبة كبرى بعد أن وقعت الواقعة.

والشاهد أن صناع استراتيجية الحرب في البيت الأبيض يغمضون عيونهم عن كل الخسائر التي تتكبدها الولايات المتحدة في العراق، بل يبالغ بعضهم من زمرة المحافظين الجدد في تحويل الهزائم إلى انتصارات، ولا يلتفت الباقون منهم في دائرة الضوء إلى أخطاء المطرودين أمثال وزير الدفاع السابق دونالد رامسفيلد وربيبه أمير الظلام رتشارد بيرل ومخطط سياسات الدفاع بول ولفوفيتز. ويبدو ان أخطاء الحرب في العراق تتوالد، لان صناع الاستراتيجية في البيت الأبيض يرفضون الاعتراف بالحقيقة الضائعة في هذا البلد وتحرم شعبه من نعمة الاستقرار والسلام والديمقراطية الحقيقية.

ونتذكر جميعا كيف تم تسويق غزو العراق على انه «حرب تحرير» هدفها نشر الديمقراطية وتحويل العراق إلى واحة ديمقراطية، وجعله نموذجا يحتذى لبناء شرق أوسط جديد. وحتى الآن لم يتحقق في العراق سوى انفلات شيطان الضغائن الطائفية من القمقم، ووقوع البلد في مستنقع حروب عبثية خرجت من رحم حرب «الأكاذيب» وتفشي الفساد لدرجة ان رئيس الحكومة العراقية اتهم رئيس هيئة النزاهة المكلفة تطهير البلد بالتورط شخصيا في الفساد وسرقة مئات الملايين من الدولارات.

وحتى نصل إلى نقطة ضوء في نهاية نفق العراق المظلم الذي أدخلته فيه استراتيجية «الاندفاع» يجب إعادة الاعتبار لبعض الحقائق المسكوت عنها والغائبة عن وعي البعض، وأول هذه الحقائق، ضرورة إعلان جدول

لخروج الاحتلال، ووقف كل عمليات التدخل المباشر وغير المباشر في فرض أشخاص وسياسات على العراقيين، بل إتاحة الحرية ليصيغوا بأنفسهم مصير بلدهم، وقبل كل شيء تهيئة الأجواء لتحقيق مصالحة جادة تلم شمل هذا الشعب الشقيق الذي لم يعرف في تاريخه الحديث مثل هذه المهزلة العبثية من حروب الطوائف والأعراق والمذاهب.

ويصب في هذا الاتجاه موقف السيناتور هنري ريد ابرز قادة الديمقراطيين في الكونغرس وتساؤله تعليقا على خطاب بوش فجر أمس الجمعة: «هل نصغي لنداء الرئيس بمنحه المزيد من الوقت وتبديد المزيد من المال وإبقاء أكثر من 130 ألف جندي إلى أجل غير مسمى؟. وحثه بوش على الاستماع إلى الشعب أي من اجل البدء في إعادة القوات ووضع سياسة جديدة تستحق تضحياتهم».

الخلاصة، إن طوق النجاة الوحيد لإنقاذ العراق من الفوضى وإعادته إلى المشهد السياسي والاقتصادي والحضاري الفاعل هو الإقرار بان الاحتلال يجب أن ينتهي، ويذهب معه كل هؤلاء الذين نهبوا ثرواته وبددوا تراثه وآثاره الثمينة. على أن خروج الاحتلال يجب أن يرتبط به وجود بديل عربي وإسلامي ودولي فاعل يملأ الفراغ لمساعدة العراقيين على إعادة تأهيل أوضاع بلدهم، دون وصاية أو إقصاء لطرف لصالح آخر، بل ينبغي ان تكون المصالحة الشاملة ووحدة العراق هي الهدف.