تعبنا من الركض السياسي خلف العداءين الأميركي، والإسرائيلي، فقد خرجنا من مدريد، وأوسلو بحصيلة الصفر (المكعب) إن صح التعبير، وبدلاً من أن تكون المهمات محددة في إطار عملي وبأهداف مقننة، ذهب اللاعبان إلى التغرير وإعطاء الوعود، واستخدام السنين الضوئية في التراجع عن أي التزام يتوجه نحو السلام.
وقد ضاع من أعمارنا ما يقنعنا أن الحليفين لن يوافقا على شروط محددة، بدليل أن ما يدور في الفراغ السياسي أن ما يتقدم به العرب، أو ينطقون به، غير كاف ما لم يعطوا تنازلات تقررها القوة قبل الدبلوماسية، وهنا جاء المشروع العربي متكاملاً وازن بين الظروف والاحتمالات وسهّل الطريق بأن تكون المقايضة عادلة، ومع ذلك حدث الصمت ثم التراخي، وأخيراً التحفظ لإرساله إلى ملف الاستيداع.
الأمور لا تحتاج إلى مهارة سياسية، أو حجج قانونية، حينما يدعو الرئيس بوش الابن إلى مؤتمر دولي لم يحدد معالمه، وما هي الخطى الأولى والمتوسطة والنهائية، وفيما إذا كانت أميركا سوف تعطي التزاماً موثقاً بشهادة دولية عن مشروعها، وكيف يمكن الاستفادة من المشروع العربي، ثم هل لدى إسرائيل القناعة بأنها وصلت إلى الخط الأخضر لتعطي فسحة للحلول بدلاً من خطوطها الحمراء وعوائقها التي جعلتها (رسناً) في الرقبة الفلسطينية؟
الأمير سعود الفيصل وزير خارجية المملكة كان واضحاً وشجاعاً حين قال إنه "لا فائدة ترجى من مؤتمر السلام إذا لم يتضمن حلولاً للقضايا الرئيسية وإلزاماً لإسرائيل بالحلول المطلوبة" والمملكة حين تعلن صراحة أنها لن تحضر مؤتمراً (بروتوكولياً) يدور في حلقة مفرغة تعرف أن لها التزامات أوضحتها في أكثر من موقف.
أما أن يأتي المؤتمر بشبه تطبيع علاقات مع إسرائيل، وأخذ الصور التذكارية والجلوس على مقاعد متجاورة، ليرى العالم أن العرب اعترفوا بحقها، وأن تمارس دوراً هي من تحدده وتفرض بنوده، فإن تجارب اللقاءات والمؤتمرات السابقة لم تعد مستوفية الشروط لعقد مثل هذا المؤتمر، حتى لو جاءت الدعوة من الدولة الكبرى في العالم، لأننا سنصبح ملهاة في مسرحية ساذجة الحياكة والمواقف تخرجها أميركا، وتعرضها إسرائيل.
المؤتمر ولد ميتاً، أعلنت وفاته بحسب الظواهر العامة والمقدمات التي لم تفدنا هل إسرائيل قادرة أن تطبق القرارات الدولية بحدود ما قبل 1967وعودة اللاجئين، والاعتراف بدولة فلسطينية متلاحمة الحدود ككيان قابل للحياة تجاورها بمبادئ الدول ذات السيادة والحقوق، والتماشي مع القوانين الدولية، أم أن المسألة تحسين صورة أميركا في المنطقة والعالم، وتدوير الصراع إلى مراحل قادمة، كما اعتدنا؟
ومثل هذا الإجراء لا يعطي حقاً، ولا يحاكم باطلاً، وبالتالي فليس من المنطقي أن يذهب العرب لحفل زفاف في مقبرة إسرائيلية، والأفضل أن نوفر الوقت والجهد لما هو أجدى وأنفع..
