سؤال عابر وبريء جداً: هل يرتفع مؤشر التدين لدى الناس في رمضان فعلاً، أم أنهم يمارسون طقوسه وأجواءه الإيمانية؟ دافع السؤال هذا التعارض الصارخ بين المعلن وما يقال، بين ما تمارسه الجوارح على امتداد النهار والليل وبين ما تردده الألسن من مقولة صارت بحكم التعود سهلة جداً «اللهم إني صائم»!
فهل يحق للصائم ـ لأنه صائم ـ أن يشتم ويثور ويصرخ في وجه هذا وذاك؟ هل من موجبات الصيام هذا التناحر على المشتريات في كل بقالة وجمعية تعاونية وسوبر ماركت؟ ألا يستقيم الصيام بدون كل هذا التكديس المبالغ فيه للأطعمة والأشربة و...؟
سؤال عابر جداً: ماذا بقي من روح رمضان التي عشناها جميعاً طقوساً روحية ونفسية واجتماعية؟ ماذا بقي من فرحه وصهيل طهارته في نفوسنا؟ ماذا بقي من ساعاته التي يعرف الجميع لمن يجب أن تتوجه وكيف يتوجب أن تقضى بعد أن سرقتها المسلسلات التي سميت ظلماً بالرمضانية؟ هل ما زال رمضان كما يتبادله الناس في رسائل الهاتف النقال شهراً فضيلاً للعبادة والتقرب إلى الله، أم صار منافسة عجيبة على الشاشات ما بين الممثلات والمغنيات والراقصات؟
سؤال عابر جداً: في نهاية كل رمضان من الأعوام السابقة ماذا أفادت جردة حساب آخر الشهر لكل منا: كم ساعة قرآن؟ كم ساعة صلاة؟ كم ساعة زيارة رحم وأصدقاء؟ كم بحثاً عن فقير ومحتاج؟ كم ركعة تراويح صافية خالية من التفكير والانشغال؟
ومع ذلك وبرغم أن جردة الحساب ليس في صالحنا على صعيد علاقتنا برمضان وقدسيته، إلا أننا نصر على الذهاب أكثر في البعد عن روح رمضان ومعنى رمضان وحكمة رمضان، فرمضان اجتماع ولقاء ومحبة لكنه ليس طعاماً وإسرافاً وتباهياً على الموائد، وهو ترويح عن النفس وفرح واستبشار، لكنه ليس خيماً وعبثاً وشيشة وأنفاساً قاتلة وأوقاتاً مهدرة أمام الشاشات!
رمضان جميل جداً، تحتفظ به الذاكرة ويشتاق إليه القلب، وهو في الخاطر تذكارات لأيام بعيدة عرفنا فيها الصيام أطفالاً وذهبنا بصحبة أمهاتنا للمساجد البعيدة في صلاة التراويح، هو لعب في الأراضي المفتوحة الواسعة في الحي القديم تحت ضوء القمر، هو مشهد الرجال في الحي يتناولون الإفطار في مجلس أحدهم، ومشهد الناس يقومون بواجبات الطهي والإعداد، ومشهد الصغار ينقلون الأطباق بين البيوت بفرح غامر.. لا خدم، لا أجانب، لا فلبينيات، ولا سائقي سيارات يقومون بدور الموزع.
لرمضان نكهة ما زال البعض يعيش بها.. ولرمضان اليوم نكهة أخرى يحاول البعض تقبلها، ولرمضان أوقات سعيدة ما زال الكثيرون يحافظون عليها ولرمضان طقوسه الحميمة التي ما زالت تمارس في كثير من المنازل.. فللذين ما زالوا يقبضون على رمضان الحقيقي ألف تحية ومحبة.. وللجميع أحلى تهنئة برمضان.. فهو خير الشهور وأكرمها حتى وإن قصرنا في حقه وفي حق أنفسنا خلاله!
