في الأيام الأخيرة انتهيت من قراءة كتاب «خارج المكان» الذي يحوي سيرة العبقري الراحل إدوارد سعيد، وعطفتها على سير الكبار في الفكر والأدب والفن التي قرأتها من قبل، والتي كان بعضها محافظا، كسيرة شيخ التربويين العرب حامد عمار وسيرة المؤرخ الكبير رؤوف عباس التي وسمها بـ «مشيناها خطى»، وبعضها كان صريحا إلى حد الفجاجة مثل سيرة الأديب سهيل إدريس، أو صريحا في بعض المواضع والمواقف والجوانب مثل سيرة جلال أمين التي نشرت مؤخرا بعنوان «ماذا علمتني الحياة؟».
وسألت نفسي في هذا المقام: إلى أي حد كان نجيب محفوظ، الذي مر عام على رحيله، موفقا حين رفض كتابة سيرته الذاتية؟ وقلت لنفسي: ربما وجد نجيب محفوظ على الشاطئ الآخر من عمره أن مسيرته الحياتية موزعة بنسب متفاوتة على أعماله، مواقف وحالات ورؤى ومشاهدات وأشواق وظنون، فآثر ألا يعيد نفسه في سيرة سافرة، لم تكن لتضيف إليه كثيرا، لاسيما أن من طالبوه بتسجيل أيامه لم يقصدوا أن يركز على تاريخه الفني والإبداعي، بل أسراره الشخصية وحياته الخاصة، التي هي ملك له، لا يجوز لأحد أن يسترق إليها السمع، أو يمد إليها بصره.
لم يشأ محفوظ أن يكتب سيرته الذاتية، وظل هذا الأمر ثقيلا على نفسه، رغم أنه يسير على قلمه الفياض. وكان يسوق دوما مبررات قوية جعلته يحجم عن هذا الفعل، الذي آتاه أدباء ومفكرون وعلماء كثر، تبدأ بإيثار السلامة، وهي سمة معروفة عنه، وصفة ملتصقة بذاته، وتنتهي بغضه الطرف عن قيام آخرين بكتابة جوانب من سيرته ومسيرته الشخصية، متناثرة أو مجتمعة، استقوها من نصوص أعماله، أو من تصريحاته وأحاديثه الصحافية، أو خلال جلساته المنتظمة، في الندوات الأدبية التي كان ينظمها ويقودها على بعض مقاهي القاهرة، أو لقاءاته مع أصدقائه ومريديه، التي صاحبته حتى مشارف الموت.
وكان محفوظ يرى أن سيرته الذاتية موزعة بين سطور قصصه ورواياته، لا تغفلها عين بصيرة ولا عقل متوقد. فأحيانا يكون محفوظ شخصا بعينه من شخصيات الرواية، مثل ما هي الحال بالنسبة لـ «كمال عبد الجواد» في الثلاثية، والتي اعترف كاتبها نفسه بأنه أقرب شخصية إليه.
وأحيانا تكون سيرة محفوظ كامنة في فعل ورأي السارد أو الراوي، وهي مسألة ظاهرة بقوة في رواية «المرايا» التي تطوي بين دفتيها شخصيات رآها وخالطها محفوظ طوال عمره المديد، وكذلك في رواية «قشتمر»، التي يعرض شخصياتها «كل أحد باسمه الفني» إلا الراوي، الذي توارى بين السطور، وقدم نفسه باعتباره واحدا من مجموعة أصدقاء يقول عنهم:
«تضخمت جماعتهم بمن انضم إليهم من الجيران، جاوزوا العشرين عدا، ولكن ذهب من ذهب بالانتقال من الحي أو بالموت، وبقي خمسة لا يفترقون ولا تهن أواصرهم، هؤلاء أربعة والراوي. التحموا بتجانس روحي صمد للأحداث والزمن، حتى التفاوت الطبقي لم ينل منه. إنها الصداقة في كمالها وأبديتها. الخمسة واحد والواحد خمسة، منذ الطفولة الخضراء وحتى الشيخوخة المتهاوية، حتى الموت. اثنان منهم من العباسية الشرقية، واثنان من الغربية، الراوي أيضا من الغربية، ولكنه خارج الموضوع».
وهذا الحرص على إخفاء الراوي بلغ مداه في رواية «عصر الحب»، التي استهلها محفوظ بقوله: «يقول الراوي: ولكن من الراوي؟ ألا يحسن أن نقدمه بكلمة؟ إنه ليس شخصا معينا يمكن أن يشار إليه إشارة تاريخية، فلا هو رجل ولا امرأة، ولا هوية ولا اسم له، لعله خلاصة أصوات مهموسة أو مرتفعة، تحركها رغبة جامحة في تخليد بعض الذكريات ...
وإني إذ أسجله كما تناهى إلي، إذ أسجله باسم الراوي، وبنص كلماته فإنما أصدع بما يأمر به الولاء، وأنفذ ما يقضي به الحب، مذعنا في الوقت نفسه لقوة لا يجوز المجازفة بتجاهلها». وأعتقد أنه لم يكن من المناسب لأديب يلفه كل هذا الغموض حول رواته وسارديه وحياته الخاصة أن يكتب سيرته الذاتية.
وفي ظني فإن عدم إقدام محفوظ على كتابة سيرته كان قرارا صائبا، حقق له ما كان يحرص عليه دوما من إقامة ستار حديدي بين حياته الخاصة، وبين كونه شخصية عامة، بلغت شهرتها الآفاق. كما حافظ هذا القرار على مكانة محفوظ ورصيده عند كثير من الناس، إذ إن العديد من السير الذاتية خصمت من أصحابها.
وألقت بظلال ثقيلة على أفكارهم، في مجتمعات لا تفرق بين الكاتب والكتاب، ولا تميز بين النص ومؤلفه، فتخلط بين هذا وذاك، فإن كان في السيرة ما يشين، سحبت هذا على أعماله، وراحت تحصي التناقض بين ما جرى له في حياته الشخصية وبين ما خطه قلمه من مواقف وأحداث، ودأبت على التنقيب عن مواطن النميمة، ونسجت شائعات لا تنتهي حول جملة وردت في السيرة الشخصية أو اسم ما، أو تصرف معين.
وقد نأى محفوظ بنفسه من التصنيفين اللذين يوزع عليهما كتاب السير، وأولهما هو كتابة ما وعته الذاكرة من الحقيقة كما هو، من دون رتوش، وثانيهما تجميل ما جرى، وإظهار صاحب السيرة في أبهى وأنصع صورة ممكنة. وأصحاب الصنف الأول إما ينشغل الناس بنقائصهم، فلا يحترمون إنسانيتهم، ولا يغفرون لهم ذنبا، أو يسترون لهم عيبا، بل ينظرون إلى صدقهم باعتباره نوعا من الرياء، الذي يروم صاحبه أن يقول الناس عنه إنه صادق، حتى لو فضح نفسه، أو هتك أسرار آخرين.
أما أصحاب الصنف الثاني فهم عند غالبية الناس كذابون وانتقائيون ومحرفون، ينتصرون لأنفسهم على حساب الحق والحقيقة، فيخفون كل قبيح، ويبرزون كل جميل في حياتهم، فيظهر الزيف من أول سطر في سيرتهم، وبالتالي تفقد معناها ومغزاها، وقد يؤول الناس كلامها على عكس ما قصد به صاحبها.
وفي الحالتين يخسر الأدباء والمفكرون كثيرا من دورهم في الحياة، من زاوية أن الناس ينظرون إليهم باعتبارهم رموزا يشار إليها، وقدوة يحتذى بها. ونتيجة لعدم قدرة العوام على التفرقة بين «الخاص» و«العام» في مسيرة منتجي المعرفة والفن، فإن هذه القدوة تُجرح، وقد تصاب في مقتل، بينما منطق الأشياء يقتضي أن يشكل هؤلاء قادة للرأي في مجتمعاتهم، الأمر الذي يفيدها في السراء والضراء.
وعدم كتابة محفوظ لسيرته صانت أدبه من آفة التأويل الخاطئ، حيث يقوم البعض باتخاذ ما ورد في سير الأدباء إطارا عاما لتفسير نصوصهم، فتجعل الأدب مجرد انعكاس لحياة الأديب، وهذا ليس سليما، وترهن النص بظروف صاحبه، وهذا خطأ فادح. فالنصوص ليست مجرد مرايا، ولا محض تنفيس عن المكبوتات والأشواق، بل هي عملية معقدة، قد تشكل هذه المسائل جانبا منها، لكنها لا تستحوذ عليها بالكلية.
ولو كتب محفوظ سيرته فكان سيضطر إلى تكرار بعض المواقف والمواضع التي وردت في رواياته وقصصه، وكان الناس سيقيسون الثانية على الأولى، أكثر مما يدركون الفارق بين ما يجري في الحياة من أحداث، وبين تفاعل ذهن الأديب معها، ليحولها إلى عمل، متصل ومنفصل بالحدث في آن واحد، لأن عملية الإبداع الحقيقية تكون خلقا جديدا للمعنى والصورة والأطراف المتحكمة في هذا الحدث، أو المكونة لجوانبه، وقد تصل إلى إعادة تشكيل البنية المركزية للوقائع، التي تمر على الإنسان العادي مرور الكرام، بينما تلتقطها أذن وعين وعقل ووجدان الأديب بطريقة مختلفة.
ولم يكن من المحبذ أن يكتب محفوظ سيرته الذاتية بعد أن أوفى بالجوانب التي يحق للناس جميعا، ولاسيما الأدباء والكتاب، أن يعرفوها، والتي تختص بسيرته العقلية ومسيرته الإبداعية، وهي تدور حول علاقته بالكتابة، وموعدها، وطقوسه الخاصة بها، وكيفية استلهامه موضوعات رواياته وقصصه.
وكان من الممكن أن يسجل محفوظ هذا في كتاب، وذلك هو المفيد بالنسبة لنا عن الكاتب، أي كاتب، لكن أديبنا الكبير آثر ألا يشغله عن الأدب شيء، حتى أنه لم يتحمس لكتابة المقال إلا في فترة متأخرة، وكان حريصا على أن تكون زواياه بصحيفة الأهرام قصيرة، ومكثفة، حتى لا تأخذ من وقته، وتؤثر سلبا على طاقته في إبداع الرواية وإخلاصه لهذا الفن البديع، الذي حاز به اعتراف العالم أجمع. وفي ظني فإن رفض محفوظ كتابة سيرته الذاتية كان قرار صائبا، أتمنى أن يحتذي به كثير من أدبائنا الكبار.
مدير مركز أبحاث ودراسات الشرق الأوسط ـ القاهرة