في عام 1960 صدر كتاب شهير لعالم الاجتماع الأميركي «دانيل بيل» بعنوان «نهاية الأيديولوجيا»، وجاء الكتاب مذيلاً بعنوان فرعي يكشف عن انتهاء الأفكار السياسية لحقبة الخمسينات من القرن الماضي. حاول بيل عبر كتابه أن يكشف عن نهاية الأيديولوجيات التي سادت حقبة ما بعد الحرب العالمية الثانية مثل الماركسية والليبرالية وغيرهما من التوجهات الأيديولوجية الأخرى المحافظة، مؤكداً على صعود البراجماتية التي يقودها التكنوقراط.
جاء كتاب بيل في ذروة المد الرأسمالي، محاولاً التأكيد على النجاح الهائل الذي حققه المشروع الرأسمالي الأنجلوأميركي، ومؤكداً من طرف آخر على ضرورة العمل البراجماتي على استمرارية تلك النجاحات الرأسمالية الصناعية المختلفة. وهو الأمر الذي حاول أن يطوره في ما بعد عبر كتاباته المختلفة التي نظرت للتغيرات المختلفة التي ارتبطت بالمجتمعات الرأسمالية ما بعد الصناعية.
لقد كشف تنظير بيل عن محاولة فكرية لنقل المجتمع من سياق الصراعات الأيديولوجية المختلفة إلى ذلك السياق البراجماتي المحكوم بالمصالح المباشرة، والذي يقوده الخبراء من فئة التكنوقراط المجردين من كافة الأيديولوجيات سوى تلك التي تنصب مباشرة على تفعيل الإنتاج والتطوير الصناعي وتحسين مستوى الحياة.
وينتمي كتاب بيل إلى تلك النوعية من الكتابات التي ترتبط بوضع نهايات للعالم الواقعي المعاش، مثل نهاية التاريخ، ونهاية الحضارة، ونهاية الصراعات... إلخ. ورغم أن كتاب بيل ذاته يدعي نهاية للأيديولوجيات المختلفة، فقد عبر هو ذاته عن أيديولوجيا تحلل العالم الرأسمالي، وتفرش له طريق الهيمنة على كل ماعداه من عوالم وأطر أخرى. ولعل ذلك لا يختلف عن تلك المحاولات التي قام بها كل من صموئيل هنتنجتون وفرانسيس فوكوياما بعد ذلك بأكثر من ثلاثة عقود حينما وقفا أيضاً بالتاريخ وبالعالم ككل عند حدود أسوار العالم الأنجلو أميركي.
تجسد تلك النوعية من الكتابات المرتبطة بالنهايات مأزق الأيديولوجيا حينما تستحيل إلى أداة للهيمنة والقمع الفكري، لا ترى إلا نفسها، ولا ترى إلا توجهاتها، ولا تعبر سوى عن مصالح الأتباع المروجين لها والمؤمنين بها. ورغم أن كل أيديولوجيا هي في النهاية تعبير من مصالح معينة لجماعات معينة، ورغم أن كل أيديولوجيا هي تجسيد لحالة صراعية في مواجهة الأيديولوجيات الأخرى.
لكن هذا لا ينفي بأي حال من الأحوال ضرورة تعايش الأيديولوجيات المختلفة، وضرورة تحلي المؤمنين بها بالقدرة على قبول كافة الأيديولوجيات الأخرى مع ضرورة الإيمان بأن كل أيديولوجية هي تعبير عن رؤية ما للعالم، كما أنها تعبير عن طموحات ومشاعر وانتماءات معينة.
وما يرتبط بكتابات بيل وغيره من منظري النهايات هو التأكيد على إيمان أيديولوجي محدد ينفي كل ماعداه من أيديولوجيات أخرى. بل إن تصور بيل ذاته المرتبط بنهاية الأيديولوجيا هو تصور قاصر ومشوه وغرضي ينفيه بشكل قاطع ما حدث في ستينات وسبعينات القرن الماضي من حيث اندلاع الأيديولوجيات الجديدة المختلفة التي عبرت عنها الحركات الطلابية والحركات الثورية في العالم الثالث.
إن عالمنا محكوم بالأيديولوجيات، ومن يتصور غير ذلك يقود العالم نحو نزعة واقعية براجماتية واهمة، يحكمها منطق الاستهلاك العابر، ومعدلات التنمية الآنية، ودولة الرفاه غير مضمونة الاستمرار. يبدو مأزق الأيديولوجيا واضحاً، حينما تتجاوز تعايشها مع الأيدولوجيات الأخرى، وحينما تبشر بنفسها على أنها التاريخ والمطلق والسرمدي، متجاهلة كافة الحضارات وكافة الأطر الإنسانية الأخرى.
يصبح هذا النوع من الأيديولوجيات هو أيديولوجيا المنتصر الذي يريد أن يفرض رؤاه على الآخرين بوصفها الصالحة لكل زمان ومكان. بينما الخفي غير المعلن أن هذا النوع من الأيديولوجيات يفرض من طرف خفي أو واضح مصالحه المباشرة على الآخرين، غير عابئ بمصائرهم ورؤاهم، وغير عابئ بأيديولوجياتهم.
ورغم ما يتصوره البعض من أن الغرب لا يعبأ بالأيديولوجيات وصراعاتها المختلفة من أجل تحقيق معدلات التنمية العالية، والمستويات غير المسبوقة لدولة الرفاه، فإن القوى المتسيدة في الغرب قد فتت الأيديولوجيات المختلفة التي تبحث في أسس المشروع الرأسمالي ذاته، إلى أيديولوجيات محدودة النطاق تتيح للمواطن الغربي قدرا ما من مواصلة نقده لبعض جوانب المشروع الرأسمالي بدون القدرة على نقد أسسه وجوانبه العميقة غير الإنسانية في جوهرها.
وما تلك الحركات المختلفة المرتبطة بالبيئة، وبحقوق المرأة، وبأوضاع الأقليات، إلا تعبير واضح عن دهاء القوى المهيمنة في الغرب بخصوص توجيه الصراع الأيديولوجي في قلب الغرب إلى مستويات ضيقة ومحدودة لا تطال أسس المشروع الغربي، ولا تهدم قواعده وأسسه الحاكمة.
ومن اللافت للنظر هنا أنه بينما تقوم القوى المتنفذة والمهيمنة في الغرب بتضييق مستويات الصراعات الأيديولوجية في الداخل الغربي، فإنها تقوم بتوسيع دائرة تلك الصراعات الأيديولوجية في الخارج، وبشكل خاص بالنظر لتلك الأيديولوجيات المناوئة للمشروع الغربي وتوسعاته الإمبريالية المختلفة. وما تلك الحروب الأيديولوجية المختلفة الموجهة ضد الإرهاب وضد الإسلام وضد بعض شعوب أميركا اللاتينية إلا مجرد أمثلة على الكيفية التي يتم من خلالها توسيع دائرة الحروب الأيديولوجية التي يصنعها ويؤسس لها الغرب في حروبه المختلفة الخارجية.
لم يكن دانيل بيل وغيره من منظري النهايات الغربيين يعبرون عن أيديولوجيا المأزق، بقدر ما كانوا يعبرون عن مأزق الأيديولوجيا ذاتها. فالمجتمع الرأسمالي لا يواجه مآزق حقيقية حتى الآن، تجعل بيل وأترابه يتوهون بمشروعاتهم الفكرية المختلفة. بل إن هذا المشروع مازال يمنحهم القدرة على التبجح الفكري والأيديولوجي، لرسم مسارات جديدة للعالم تحكمها في النهاية مرجعياتهم الرأسمالية المختلفة.
فبيل وأمثاله يؤمنون إيماناً راسخاً بصعوبة وجود نهاية قاطعة وحقيقية للأيديولوجيا، فالإنسان بدرجة أو بأخرى هو كائن أيديولوجي في النهاية. لكنهم يناورون بمشروعاتهم الفكرية الأيديولوجية من أجل تكريس هيمنة المشروع الرأسمالي والدعوة لسيادته كونياً.
لكن المشكلة الخطيرة هنا حينما ينجر بعض الكتاب والمفكرين في الكثير من مناطق العالم، وبشكلٍ خاص في عالمنا العربي، وراء تلك الدعوات، ويدعون لنبذ الأيديولوجيات والحديث عن مؤشرات تنموية عابرة، ولتصفية حسابات خفية مع أيديولوجيات عربية سابقة أو حالية. هنا ينطلق هؤلاء الكتاب والمفكرون، بوعي أو بغير وعي، من مأزق الواقع العربي الراهن، حيث تحكمهم وتوجههم في الوقت نفسه أيديولوجيا المأزق ذاتها.
لا يجادل أحد في انعكاس المأزق العربي الراهن على توجهاته الأيديولوجية المختلفة، فلا توجد أيديولوجيا عربية واضحة تمكن من تشكيل مشروع قومي عربي واضح وناجز. وما يوجد في الساحة العربية الراهنة مجرد أيديولوجيات باهتة غير واضحة المعالم، حتى تلك الأيديولوجيات المرتبطة بالتوجهات الدينية أو بالتوجهات الليبرالية فإنها لا تمتلك تأثيراً جماهيرياً واضحاً، كما لا تمتلك أفكارا وبرامج فعلية يمكن تبنيها سياسيا.
ما يحدث في الواقع العربي أن البعض يريد، مثلما يريد بيل للمشروع الرأسمالي، أن يفرض هيمنته الأيديولوجية بآليات الصدفة التي لا تؤسس لمشروعات قومية عربية حقيقية. وفي هذا السياق، لا يجد البعض ذاته سوى في نقد مشروعات أيديولوجية سابقة، أو في الحديث عن تلك الطروحات البراجماتية التنموية التي، وإن شغلت أنظارنا لبعض الوقت، فإنها إما أن تصيبنا في النهاية بالعمى، أو تنذوي منها تلك الطاقة التي تقود المجتمع وتؤسس لتقدم حقيقي وفعلي، والتي لا نجدها سوى في الأيديولوجيات الحقيقية التنويرية ذات القاعدة المقبولة جماهيريا.
كاتب مصري