السؤال الذي أود طرحه منذ البداية هو التالي: لماذا تشكل الترجمة ضرورة قصوى وإجبارية بالنسبة للثقافة العربية؟ لسبب بسيط هو أن الفتوحات المعرفية الكبرى غير معروفة حتى الآن في لغتنا العربية. بالطبع فإن هذا الكلام قد يبدو مبالغاً فيه بعد حركة الترجمة التي تمت في السنوات الأخيرة وبخاصة المشروع الكبير للمجلس الأعلى للثقافة في مصر بقيادة المفكر المستنير والمقتدر جابر عصفور.
فقد أدى مشروعه إلى ظهور ألف كتاب على مدار عشر سنوات. وقد سدّ فراغاً كبيراً في ثقافتنا أو مكتبتنا العربية بدون شك. وهناك مشاريع أخرى لا يستهان بها كعالم المعرفة في الكويت أو مشروع رابطة العقلانيين العرب الذي انضاف مؤخرا إلى القائمة الجادة او سوى ذلك.
ولكن هذه المشاريع بداية وليست نهاية وينبغي أن يتواصل العمل لكي يكتمل نقل المعرفة الحديثة إلى لغتنا العربية. فنحن بأمس الحاجة إلى هذا، وكذلك أجيالنا الطالعة. فمواجهة الانغلاق المرعب الذي يقف بشكل مباشر وراء ضربة 11 سبتمبر لن ينجح الا اذا انخرطنا في هذا المشروع المعرفي والتحريري الكبير.
وبالتالي فالرد لن يكون ناجعا ولا حاسما اذا ما كان بوليسيا او عسكريا فقط كما يتوهم بعض الغرب. وإنما ينبغي ان يكون فكريا وبالدرجة الأولى. وينبغي ان يأتي من الداخل، بل ومن أعماق أعماقنا، وليس فقط من الخارج. هذا هو الدرس الأساسي الذي ينبغي ان نستخلصه، نحن المثقفين العرب، من كارثة 11 سبتمبر التي جرت علينا الويلات ودفعنا ثمنها باهظا. وفي الذكرى السادسة لحصول هذه الجريمة النكراء التي غيرت مجرى التاريخ الكوني والسياسة العالمية أريد ان أدلي ببعض الملاحظات والاستنتاجات.
ينبغي العلم بأن الفرنسي يستطيع أن يعيش بدون ترجمة إذا ما أراد، وكذلك الإنجليزي أو الألماني، الخ... ولكن العربي لا يستطيع ولا يمتلك هذا الترف. لماذا؟ لأن العلوم الحديثة متوافرة هناك بغزارة على عكس الحال عندنا. وأقصد بذلك العلوم الإنسانية والعلوم الدقيقة في آن معاً. فلغتنا توقفت عن كونها لغة علم وفلسفة منذ القرن الثالث عشر وحتى القرن التاسع عشر، تاريخ ظهور محمد علي ورفاعة رافع الطهطاوي والنهضة الحديثة.
ونحن ندفع الآن ثمن هذا الجمود التاريخي على مدار ستمئة أو سبعمئة سنة متواصلة. ولا نستطيع أن نردم الهوّة العميقة التي تفصلنا عن العالم المتقدم في أوروبا وأميركا بين عشية وضحاها. وبالتالي فقليلاً من الصبر أيها الإخوة والأخوات. فالطريق شاق، وعر، طويل. والانغلاق الفكري موروث ثقيل.
نحن أمام خيارين لا ثالث لهما: إما أن نعلم كل أبنائنا أو طلابنا لغة أجنبية حديثة هضمت كل هذه العلوم والثورات كالإنجليزية أو الفرنسية أو الألمانية. وإما أن ننقلها إليهم ونترجمها. والحل الثاني هو الأفضل بالطبع لأن الأول يعني القضاء على لغتنا القومية بكل بساطة: أي على عامل التوحيد الأول الذي يجمع بيننا من مشرق العالم العربي إلى مغربه. وهذه جريمة لا يمكن تصورها.
إنه يعني الانصراف عن لغتنا العربية وهجرانها لكي تتحول إلى لغة شعر وأدب وفقه وتصوف فقط، وتبطل أن تكون لغة علم وفلسفة. لقد أثبتت لغتنا أنها قادرة على هضم واستيعاب كل العلوم والفلسفات في الماضي أي في العصر الكلاسيكي المجيد. فلماذا لا تثبت ذلك الآن أو في المستقبل؟ وبالتالي فالحق ليس عليها كما يزعم بعض الجهلة أو المغرضين، وإنما على أبنائها الذين تخلفوا عن ركب الحضارة لمدة سبعة قرون متواصلة فجمّدوها وحنَّطوها. والآن يجيء مشروع الترجمة الكبير لكي ينعشها ويحييها من جديد. يجيء لكي يضخ الدماء الجديدة في عروقها وشرايينها.
وبالتالي فالترجمة هي خيارنا الوحيد. وقد علمتنا التجارب التاريخية أن كل النهضات الكبرى قامت على أكتاف الترجمات الكبرى. انظر نهضة الأوروبيين أنفسهم عندما ترجموا العلم العربي والفلسفة العربية في القرنين الثاني عشر والثالث عشر من خلال مركزين أساسيين للترجمة هما: طليطلة وصقلية. وانظر تجربة محمد علي والطهطاوي في النصف الأول من القرن التاسع عشر والتي أدت إلى تدشين عصر النهضة في العالم العربي بالإضافة إلى ما فعله كبار النهضويين اللبنانيين والسوريين بالطبع.
ولكني أقصد الترجمة بالمعنى الضيق والواسع للكلمة. فبعد تجربة ربع قرن من العمل في هذا المجال توصلت إلى النتيجة التالية: وهي أننا بحاجة إلى التلخيص أيضا، أي نقل أو عرض النظريات العلمية والفلسفية بشكل حر، واسع، غير مقيد بقيود الترجمة الحرفية. وأقصد بذلك التعريب بتصرف بل حتى مع الشرح والنقد.
ينبغي أن يظهر لدينا باحثون قادرون على عرض فلسفة كانط، أو هيغل، أو أوغست كونت، أو ماركس، أو فرويد، أو نيتشه، أو هابرماس، الخ... بشكل واضح ودقيق لا تظهر عليه آثار العجمة أو الترجمة الحرفية المزعجة. وبالتالي فينبغي أن نستخدم كل الوسائل والأسلحة لنقل هذه الفتوحات المعرفية الكبرى إلى لغتنا العربية. وبعدئذ يمكننا أن نبدع وننتج بشكل ذاتي أو حتى أثناء ذلك. فالترجمة والإبداع شيئان متلازمان.
وهذا النقل المعرفي الضخم سيؤدي إلى تغيير اللغة العربية ذاتها، إلى توسيع أساليبها وإمكانياتها في التعبير، إلى اشتقاق المصطلحات والتراكيب اللغوية الجديدة فيها. وبالتالي فاللغة العربية ما بعد الترجمة لن تكون هي ذاتها اللغة العربية ما قبل الترجمة. سوف تخرج متجددة شابة وقد نفضت غبار الزمن والقرون عن نفسها..
نعم إن الترجمة بهذا المعنى الواسع والعميق سوف تؤدي إلى تنوير العرب والمسلمين. وهذا شيء أصبح ضرورياً جداً بعد أن دخلنا او قل دخلت أصوليتنا في أزمة حادة مع أنفسنا ومع العالم المعاصر في آن معاً.
وهي أزمة لا نعرف متى نتجاوزها: إننا نرى بداياتها ولا نرى نهاياتها. لقد دخلنا في صدام مع العالم أجمع منذ بضع سنوات، وكل ذلك بسبب انعدام التنوير عند جماهيرنا الشعبية، بسبب سيطرة العقلية الأصولية عليها. وهناك أسباب لهذا الوضع الخطير والمتفاقم أهمها ذلك الطلاق الذي حصل بين الدين والفلسفة في الإسلام منذ القرن الثالث عشر وحتى القرن التاسع عشر، أو حتى اليوم بشكل من الأشكال.
هناك قراءتان ممكنتان لتراثنا الإسلامي العريق: الأولى خرافية، سطحية، جامدة، انغلاقية. وهي السائدة حاليا. وهي حتماً تؤدي إلى صدامنا المروع مع العصر. وهي التي أدت الى 11 سبتمبر. وهي سبب كل المشاكل التي نعاني منها الآن. وهي التي انتصرت على مدار العصور الانحطاطية السبعة التي ذكرتها آنفاً. ولأنها انتصرت وهيمنت طيلة كل تلك الفترة الطويلة فإننا اعتقدنا أنها القراءة الوحيدة الممكنة لتراث الإسلام الحنيف!
ولكن هناك قراءة أخرى مضادة: هي القراءة العقلانية والتاريخية والتنويرية. وهي التي ستنقذنا من هذه الورطة التي وقعنا فيها: أي من أزمتنا مع أنفسنا ومع الحداثة الكونية في آن معاً. وهناك طريقتان لمواجهة المدّ الأصولي المتطرف: الأولى تتمثل في ترجمة أمهات الكتب الاستشراقية الأكاديمية العالية المستوى إلى لغتنا العربية.
وأقصد بها من جملة أشياء أخرى عديدة: الموسوعة الإسلامية في طبعتها الثانية، والموسوعة القرآنية التي تظهر لأول مرة في لايدن بهولندا، وموسوعة المستشرق الألماني الكبير جوزيف فان ايس عن اللاهوت والمجتمع في العصور الإسلامية الأولى. هذه الأبحاث الضخمة تقدم رؤيا تاريخية مضيئة عن تراث الإسلام ويمكنها أن تواجه بكل فعالية القراءة الغيبية الظلامية التي تهيمن علينا اليوم.
ولكن هناك أبحاث أخرى عديدة غيرها. ويقف في طليعتها بالطبع مشروع محمد اركون عن نقد العقل الإسلامي التقليدي الموروث. فهو في رأيي من أفضل ما كتب عن الموضوع حتى الآن. انه مشروع العصر. وهو يستوعب الأبحاث السابقة فيما يتجاوزها معرفيا وابستمولوجيا. وقد راهنت عليه منذ ربع قرن ولا أزال. أما الطريقة الثانية فتتمثل في ترجمة أمهات الكتب التي تتحدث عن الصراع بين الكنيسة والعلم، أو بين الأصوليين المسيحيين والتنويريين في أوروبا على مدار القرون الأربعة المنصرمة.
فالمقارنة هي أساس المعرفة والنظر. ولا بأس من الاستفادة من تجربة الأمم المتقدمة لمواجهة مشكلة الأصولية. وهذه الاستفادة لا تعني التقليد الأعمى أو الحرفي للغرب كما يتوهم بعضهم وإنما تعني الاستضاءة بتجارب الآخرين ومعرفة سبب نجاحهم الحضاري، ثم معرفة سبب انحرافهم أحياناً أو شططهم وغلوهم في مجال التحديث والحريات الإباحية التي لا حدود لها. وبالتالي فنحن ندعو إلى الاستفادة من المكتسبات الإيجابية للحضارة الأوروبية وتحاشي نواقصها وسلبياتها وانحرافاتها.. والله الموفق.
كاتب سوري - باريس