أختلط الإعلام بالإشاعة والدعاية والتلاعب وإثارة البلبلة وتصفية الحسابات في قضية صحة الرئيسين المصري حسني مبارك والرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة. بالنسبة للرئيس المصري فإن غيابه عن الأنظار والنشاط الرئاسي لفترة زمنية فتح الشهية أمام المتربصين بمثل هذه الظروف لمختلف التأويلات والقراءات والتكهنات والإشاعات الفضفاضة والشائعات الكاذبة وإشاعة البلبلة.
فمنهم من ذهب بعيدا للخروج عن آداب وأخلاقيات الممارسة الإعلامية للدخول في التلاعب والتخمين والقراءات المسبقة عن ظروف صحة الرئيس ومصير الأمة أثناء غيابه ومن سيحكم؟ إلى آخر ذلك من القراءات والتأويلات. ما حدث في مصر حدث في الجزائر حيث تلاعبت العديد من الصحف الجزائرية بموضوع صحة الرئيس وتناولته كما شاءت وحسب إهتمامات وأهداف ومصالح كل جريدة.
فالرئيس الجزائري الذي غاب عن الظهور لثلاثة أسابيع أثار فضول العام والخاص وفتح شهية وسائل الإعلام للتفنن في التخمين والتأويلات العديدة والإشاعات والتحليلات والتفسيرات التي قد يخرج بعضها عن الكياسة والاتيكيت والعمل الصحافي المهني المسؤول.
إشكالية صحة الرئيس في أي دولة كانت تثير عدة تساؤلات من أهمها: هل يحق للشعب التعرف على الحالة الصحية لرئيسه وأن يتعرف على تفاصيل المرض وسبل العلاج ونسبة نجاح العلاج والتعافي...الخ؟ أين هي المصالح الإعلامية في الرئاسة لتوفير المعلومة وإخبار وسائل الإعلام والرأي العام بالموضوع وبذلك إنهاء كل عمليات التلاعب واستغلال انعدام المعلومة من قبل وسائل الإعلام لتضخيم الموضوع أو التأويلات والتخمينات المغرضة والخاطئة؟.
ما هي نية وأهداف وغرض المؤسسات الإعلامية من التهافت على أخبار صحة الرئيس؟ هل الهدف هو الاستجابة لحق الشعب في المعرفة وتوفير المعلومة للجمهور كواجب لا جدال فيه؟ أم الهدف هو استغلال الظروف غير الطبيعية وانعدام المعلومة لتحقيق السبق الصحافي وإبراز إمكانات الجريدة وقدراتها على التعامل مع الظروف وقراءتها رغم التعتيم الإعلامي وهل الهدف هو توظيف الحدث لخدمة المعارضة وجهات معينة ولخدمة أهداف سياسية محددة قد تتعارض مع المصلحة العامة وقد تخالف الممارسة الإعلامية المسؤولة.
فإذا فرضنا أن للشعب الحق في معرفة الحالة الصحية لرئيسه فلماذا التعتيم الرسمي وعدم توفير المعلومة للجمهور؟ فالقاعدة الذهبية في علم الاتصال تقول إنه إذا إنعدمت المعلومة أنتشرت الإشاعة. وفي هذه الحالة فإن بعض الجهات الرسمية في دول كثيرة، مع الأسف الشديد، لم تتمكن من التحكم في مفاصل الاتصال السياسي وفي آليات العمل الإعلامي السياسي على مستوى السلطة والعلاقة بالمؤسسات الإعلامية وبتوفير المعلومة للجمهور.
فغياب الرئيس في دولة ما عن الظهور يمكن تأويله بطرق مختلفة وبقراءات عديدة، كما أنه يثير فضول العام والخاص في البلد. أما إذا كانت السلطات تؤمن بأن الشعب ليس له الحق في معرفة الظروف الصحية للرئيس ولماذا غاب عن الظهور، فالموضوع هنا يطرح إشكاليات أخرى: من أهمها أن هذا الموقف يتناقض جملة وتفصيلا مع واقع العولمة والمجتمع الرقمي ومجتمع المعرفة الذي يفرض نفسه في جميع أنحاء المعمورة.
ففي عهد الانترنيت، تعتبر عملية حجب المعلومات والتعتيم والرقابة إجراء غير سليم وغير صحي ولا يتناغم مع معطيات العصر ومع الانفتاح الإعلامي والمعلوماتي الذي فرض نفسه في جميع أنحاء العالم. وبذلك فإن عملية التعتيم والتهرب من المسئولية وعدم توفير المعلومة تضر بأي نظام أكثر مما تفيده. فالتعتيم والتكميم يعني إعطاء الفرصة للإشاعة وإثارة البلبلة والتلاعب وتقديم معلومات قد تكون غير صحيحة لخدمة أهداف ومصالح فئات ضيقة ومحدودة في المجتمع.
فلماذا يا ترى ما زال هناك إصرار رسمي في بعض الدول على ممارسات أصبحت من ذاكرة التاريخ وممارسات أصبحت لا تتناسب ومنطق الألفية الثالثة. فمثلاً كان الرئيس الجزائري السابق المرحوم هواري بومدين يحتضر لشهور عدة ولم يعرف الشعب الجزائري وحتى الساعة ما حدث للرئيس بالضبط وما نوعية المرض... إلخ.
أما بالنسبة للجانب الآخر لإشكالية التعامل مع الحالة الصحية للرئيس ـ أي رئيس ـ إعلاميا هو المؤسسات الإعلامية؛ فهل يحق لهذه المؤسسات أن تتعامل مع القضية بنشر الإشاعة والمعلومات غير المؤكدة والموثوقة والتأويلات، وفي بعض الأحيان أو في الكثير من الأحيان، التلاعب والتضخيم والتأويل ليس بهدف خدمة الحقيقة وخدمة الرأي العام والقيام بواجب الإبلاغ والإخبار بل من أجل خدمة مصالح جهة معينة أو حزب سياسي معين إلخ...
فبعض المؤسسات الإعلامية لا تتعامل مع الحالة الصحية للرئيس بالمهنية والحرفية وروح المسؤولية والاتيكيت والأخلاق التي يجب أن تحكم التعامل مع مثل هذه القضايا. فبعض الصحف دخلت في طرح قضية ما بعد الخلافة ومناقشة القوى التي تتحكم في خيوط مرحلة ما بعد الرئيس ومن سيحكم؟.
قراءات عديدة وتأويلات متنوعة في غالب الأحيان مبنية على أفكار مسبقة ومصالح ضيقة بعضها يصب في حسابات أحزاب المعارضة والبعض الآخر يصب في مصلحة قوى همها الوحيد هو الوصول إلى السلطة مهما كانت السبل والوسائل. ما هو الهدف من تغطية الحالة الصحية للرئيس؟ توفير المعلومة للجمهور والقيام بواجب الإبلاغ والإخبار، أم أن الهدف هو توظيف حالة التعتيم والسكوت وانعدام المعلومة للإنتقام من الجهات المسئولة عن الإعلام في الدولة وعدم تعاونها مع وسائل الإعلام؟.
هل الهدف هو البحث عن السبق الصحافي والشهرة والإثارة على حساب المسؤولية والمهنية والحرفية. هل الهدف هو التلاعب والتمظهر بكشف سلبيات وعيوب السلطة التي ترفض التواصل مع شعبها بشفافية وديمقراطية وجرأة وصدق. فالمسؤولية الاجتماعية في العمل الإعلامي تفرض على الصحافي وعلى المؤسسة الإعلامية أن تتعامل مع موضوع كموضوع الحالة الصحية لرئيس دولة ما بمسؤولية كبيرة جدا وفق أخلاقيات العمل الإعلامي ووفق المصلحة العامة وبدون مساومة أو تلاعب وإبتزاز واستغلال المهنة لتحقيق أهداف ومصالح ضيقة.
فالحالة الصحية لرئيس أي دولة في العالم ليست بالبساطة التي يتصورها الكثيرون، فالرئيس ليس أي شخص في المجتمع وصحته تهم الأمن القومي والاستقرار الوطني وهو رمز السلطة لذلك فالتعامل مع موضوع صحة الرئيس إعلاميا يجب أن يكون مسؤولاً ويتسم بالحرفية والمهنية والأخلاق وليس الإشاعة وإثارة البلبلة والتلاعب من أجل مصالح سياسية ضيقة.
فحتى الدول العريقة في الديمقراطية تعاملت وتتعامل بنوع من الاحتراز والتحفظ مع مرض رؤسائها وخير مثال على ذلك الرئيس الفرنسي الراحل فرانسوا ميتران. انتشار الشائعات في المجتمع وترويجها عبر وسائل الإعلام الحديثة كالصحف والمجلات والانترنيت والفضائيات والمحطات الإذاعية ظاهرة غير سليمة وغير صحية تعني تلوث ومرض الرسالة المقدسة للصحافة والهدف النبيل للبحث عن الحقيقة وكشفها للرأي العام.
فبدلا من تنوير الرأي العام وإبلاغه وإخباره بالحقائق وتزويده بالمعلومات الصحيحة والصادقة أصبحت وسائل الإعلام تساهم في «تلويث» الرأي العام وتزويده بالشائعات والأكاذيب والخرافات. فتقاطع الشائعة مع الخبر الصحافي يعني وجود خلل في المعايير والقيم داخل المجتمع ومشكلة عويصة في المنظومة الإعلامية. فإلى متى تبقى وسائل الإعلام في بعض الدول العربية عرضة للتطفل والاستغلال والابتزاز والتلاعب.
كلية الاتصال - جامعة الشارقة