مع اقتراب وصول الوزيرة رايس إلى المنطقة، في 18 الجاري، انتعش الحديث عن مؤتمر «السلام»، الذي كان الرئيس بوش قد دعا إلى عقده في نوفمبر المقبل. رئيسة الدبلوماسية الأميركية قادمة لحشد الدعم وتأمين أوسع مشاركة ممكنة، في هذا المؤتمر. لكن يبدو من المقدمات، الإسرائيلية والأميركية، ان هذا اللقاء المرتقب لا يحمل من «السلام» إلا الاسم. إلا إذا كان المقصود هو «السلام» بالمفهوم الإسرائيلي. أي التطبيع مع العرب أولاً، وبعد ذلك لكل حادث حديث!
مصادر واشنطن بدأت تردد أن مهمة المؤتمر العتيد، التوصل إلى «اتفاق مبادئ» بين الرئيس عباس وأولمرت. والغرض الثاني منه، توفير دعم عربي يكون الخطوة الأولى على طريق فتح الخطوط بين العرب وإسرائيل!
المصادر الإسرائيلية كانت أكثر وضوحاً، في هذا الخصوص، تقول إن أولمرت مستعد لوضع جدول زمني لحل الدولتين؛ لكن تقريبي (!!) ليس ذلك فحسب، بل هو مشروط بخطوات فلسطينية متزامنة سبق وأشارت إليها «خريطة الطريق» ـ مثل نزع السلاح من الساحة الفلسطينية ـ وكالعادة، بدأت تتملص سلفاً وتراوغ من خلال الزعم بأن مطلب السقف الزمني الذي يدعو الرئيس عباس إلى الالتزام به؛ ليس سوى «عقبة» في هذه الطريق؛ فضلاً عن أنه قد يؤدي إلى التسبب «بخيبة»؛ إذا لم يتم التقيد به.
خلاصة المطالعة الإسرائيلية أن المؤتمر ليس أكثر من بداية في «عملية طويلة»؛ وفي اللحظة الراهنة يحتاج الطرفان إلى «وثيقة» والانطلاق منها! عودة إسرائيلية مألوفة إلى التمييع والتعجيز كلام سبق وتردد وجرى استخدامه لنسف اتفاقيات وخطط ومبادرات عديدة. آخرها كان «خريطة الطريق»، التي تعود اليوم إسرائيل إلى استحضارها وبصورة استنسابية، في محاولة لاستكمال تفصيل مؤتمر نوفمبر على قياساتها. وهذا الأخير لن يكون مصيره ـ إذا انعقد ـ بأحسن حال، إذا بقي مفتوحاً أمام الفذلكات الإسرائيلية؛ الرامية إلى إفراغه من أي مضمون.
وهنا تبرز مسؤوليتان: مسؤولية أميركية لجهة وضع الأمور في نصابها الصحيح؛ إذا كانت إدارة بوش تنوي فعلاً تحقيق نقلة نوعية في مشروع الدولتين. ثم مسؤولية عربية؛ لجهة وضع النقاط على الحروف، في هذا الصدد؛ عن طريق ربط المشاركة والدعم بوجوب تمخض المؤتمر عن نتائج ملموسة.
ولا يكون ذلك من دون توفر شروط مثل الجدول الزمني والبحث في القضايا النهائية، ثم الخروج إلى السلام المنشود. الحديث عن الدولتين يكاد يتحول إلى معزوفة مملة لكثرة ما تردد وتكرر وجرى التشديد على الالتزام بها، من دون أن تتحول إلى واقع مترجم على الأرض. أو على الأقل من غير أن تبدأ مسيرة ترجمتها. تأجيل وتسويف ومماطلة، تعرف إسرائيل فنون ممارستها.
وها هي اليوم تحاول اللعب على الأوتار نفسها من خلال افتعال الذرائع والتلاعب على الألفاظ؛ من أجل بلوغ ما تريد وليس ما يقتضيه السلام. فهي بارعة في لعبة تقطيع الوقت والتخدير لخلق وقائع على الأرض ثم بناء المواقف عليها. أولمرت يريد من المؤتمر مجرد تظاهرة تطبيع. وواشنطن لا تمانع. المهم أن يصرّ العرب على مؤتمر واضحة أسسه وخواتمه.
