دعا السيناتور الجمهوري في الكونغرس الأميركي جون وورنر ذو التأثير الكبير في قضايا الأمن القومي الأميركي في الشهر المنصرم الإدارة الأميركية البدء بسحب القوات العسكرية الأميركية من العراق في بداية العام المقبل بعد أن أكد تقرير الاستخبارات الأميركية الجديد أن الأوضاع الأمنية والسياسية في العراق لم يطرأ عليها أي تحسن وأن القادة السياسيين العراقيين فشلوا في قيادة العراق على نحو فعال خلال الفترة الماضية.

وبالرغم من أن السيناتور وورنر كان قد أعلن رفضه لاستراتيجية بوش في العراق في السابق إلا أن هذه هي المرة الأولى التي يعلن تأييده لانسحاب القوات الأميركية خلال فترة محددة.

أهمية موقف السيناتور وورنر في الكونغرس تأتي في أنه بالرغم من اختلافه عن مواقف الديمقراطيين في الكونغرس الذين يطالبون الإدارة الأميركية بسحب كامل وفوري للقوات الأميركية من العراق إلا أن موقفه المؤيد لانسحاب تدريجي يشجع أعضاء حزبه الجمهوريين في الكونغرس لاسيما هؤلاء المشككين باستراتيجية بوش في العراق لتبني موقفه والتخلي عن دعم سياسة الرئيس الأميركي في العراق.

كما أن هذا الموقف وموقف كثيرين من الساسة والمشرعين والمحللين الأميركيين يرتكز على ما قاله أساساً الرئيس بوش وتعهد به في السابق أن القوات الأميركية في العراق لن تمكث إلى ما لانهاية وأن على العراقيين أن يحكموا بلادهم وشعبهم بأنفسهم.

من هذا المنطلق تتزايد الضغوط الرسمية والشعبية في الولايات المتحدة على الرئيس بوش من أجل الإعلان عن خطة انسحاب محددة من العراق ولإرسال رسالة واضحة وقوية للعراقيين تؤكد بدء انسحاب القوات الأميركية في هذا العام حتى وإن كان عدد هذه القوات قليلاً.

بات واضحاً أن صناع السياسة الأميركيين سواء أكانوا ديمقراطيين أم جمهوريين أصبح لهم موقف موحد تجاه ضرورة انسحاب القوات الأميركية من العراق، إضافة إلى مواقف كثير من العسكريين والمحللين وغالبية الشعب الأميركي الذي أعلن تأييده للانسحاب. ولكن الاختلاف الجوهري بين هذه المواقف تتجلى في منهجية وأسلوب الانسحاب وليس في موضوع الانسحاب نفسه.

فغالبية الديمقراطيين أعلنوا مراراً وتكراراً أن الانسحاب الفوري من العراق يجب ألا يرتبط بالعوامل السياسية أو الأمنية في العراق مثل قدرة الحكومة العراقية والأحزاب السياسية العراقية على إنهاء الصراع السياسي بين الطوائف والمذاهب المختلفة وقدرة قوات الأمن العراقية على ضبط الأمن ومنع عمليات القتل الجماعية ووقف المقاومة.

هذا الموقف يأتي ليعكس اقتناع الديمقراطيين بأن الأوضاع السياسية والأمنية في العراق لن تتحسن قريباً لأن مثل هذا الأمر سيتطلب وقتاً طويلاً وجهوداً كبيرة ليس فقط من العراقيين ولكن من الدول المجاورة للعراق.

بينما يطالب غالبية الجمهوريين بالانسحاب التدريجي والمبرمج للقوات الأميركية لإعطاء الساسة العراقيين وقتاً كافياً في تحسين أدائهم وضبط الأمن والوصول إلى مصالحة وطنية بين مختلف الطوائف والمذاهب التي يعتبرونها السبب الرئيسي لتدهور الأوضاع في العراق.

في الوقت نفسه يؤمن الجمهوريون أن انسحاباً تدريجياً للقوات الأميركية من شأنه أن يعطي الحكومة العراقية حافزاً ومؤشراً، أو إنذاراً أميركياً تحديداً، على جدية الإدارة الأميركية تجاه سحب قواتها العسكرية، الأمر الذي سيدفعها لبذل تلك الجهود التي ستؤدي إلى تحسين الأوضاع في العراق. كما أن الإدارة الأميركية ستتمكن من سحب قواتها تدريجياً حتى لا يؤثر على سمعة وهيبة القوات الأميركية ومصداقية الولايات المتحدة في المنطقة وفي المحافل الدولية.

مما لا شك فيه أن الساسة الأميركيين في الوقت الراهن يظهرون ارتباكاً واضحاً تجاه الملف العراقي وأصبحوا يتخبطون بشكل لم يكن موجوداً في السابق وأن السيناريوهات السياسية والعسكرية المتاحة في المديين القصير والوسط يسيطر عليها التشاؤم بل وتشير إلى فشل محتوم.

فحكومة المالكي، التي فقدت ثقة غالبية الساسة الأميركيين التنفيذيين والمشرعين بقدرتها على محاربة الإرهابيين وإجراء مصالحة مع السنة العراقيين، وهي تعاني من شلل بعد العديد من استقالات الوزراء، وتتهم من الجانب الأميركي بعدم رغبتها في إجراء انتخابات محلية وترفض السماح للبعثيين بالمشاركة في الحكم. لذلك فهي تواجه ضغوطات داخلية وإقليمية وأميركية، الأمر الذي قد يقود إلى سقوطها في حال توفر دعم من قبل غالبية الشيعة العراقيين والإدارة الأميركية.

من جهة أخرى، فإن تقريراً للاستخبارات الأميركية كشف النقاب عن وجود تحالفات متعددة بين القوات الأميركية من جهة وقادة العشائر السنية لمواجهة عناصر تنظيم القاعدة في العراق ولتحسين الأوضاع الأمنية.

ولكن هذا التطور الجديد ساهم في إضعاف حكومة المالكي بعض الشيء، وتبين للأميركيين أن استمرار هذا الأمر أو اتساعه وهو تطلب ويتطلب استمرار تسليح الأميركيين للعشائر السنية سيشكل خطراً على الحكومة العراقية في حال تمرد العشائر عليها.

إن الأوضاع الأمنية في العراق لن تتحسن كما يراد لها ما لم يتحسن الأداء السياسي والاقتصادي لأي حكومة عراقية، ويبدو أن هذا لن يحدث إلا إذا نجح العراقيون سنة وشيعة عرباً وأكراد في التوصل إلى مصالحة وطنية شاملة بين كل الأطراف العراقية بدون استثناء.

هذه هي النتيجة التي توصلت إليها الإدارة الأميركية والكونغرس الأميركي بعد تقرير الجنرال ديفيد بترايوس قائد القوات الأميركية في العراق والسفير الأميركي ريان كروكر قبل أيام قليلة فقط. ولكن هذه المصالحة الوطنية لن تتجسد أيضاً في ظل استمرار الاحتلال الأميركي ورفض الإدارة الأميركية تحديد خطتها للانسحاب ولو التدريجي من العراق.

فالوجود العسكري الأميركي في العراق والسياسة التي انتهجتها الإدارة الأميركية منذ بدء الاحتلال عام 2003 شكلت العائق الرئيسي الذي منع تحقيق المصالحة الوطنية بسبب رفض جزء كبير من الشعب العراقي للاحتلال الأميركي من جهة ولرفض غالبية دول الجوار، وخاصة إيران وسوريا، وجود قوات أجنبية في العراق تهدد أمن واستقرار المنطقة بأسرها.

إنها معادلة معقدة لا يمكن حلها بسرعة ولا يستطيع طرف واحد بمفرده، بما في ذلك الطرف الأميركي، أن يفرض الحل الذي يراه مناسباً. في نهاية المطاف ستجد الأطراف العراقية أنها مضطرة إذا كانت تريد الحفاظ على وحدة التراب والشعب العراقيين أن ترفض الاستئثار والاحتكار لموارد العراق الغنية ولحكم العراق سياسياً على أسس طائفية أو مذهبية.

كما أن الأطراف الخارجية المؤثرة في العراق وتحديداً واشنطن وطهران ودمشق ستجد أنه من الضروري بحث كل القضايا الرئيسية ذات الصلة بالشأن العراقي وبأمن المنطقة بأسرها.

وقد بدأت هذه الأطراف عملياً حوارها المباشر وغير المباشر ولكنها لا تزال بعيدة جداً في مواقفها السياسية حيال إنهاء الأزمة العراقية، ويعزا ذلك لفقدان الثقة بينهم من جهة، وبسبب السياسة الأميركية المعلنة في منطقة الشرق الأوسط التي ينتمي العراق إليها من جهة أخرى.

في هذا السياق نستطيع أن نقول ان الإدارة الأميركية الغارقة في «المستنقع الفيتنامي الجديد»، أي في العراق، مطالبة بتغيير سياستها العامة في المنطقة إذا أرادت أن تصل إلى حلول مقبولة في العراق وخارج العراق لأن ما حدث في المنطقة وتحديداً في العراق وفلسطين ولبنان في السنوات الأخيرة هو تحديداً نتاج السياسة العدوانية للإدارة الأميركية في منطقة كانت ولاتزال تبحث عن الأمن والاستقرار والتنمية.

الأمر الآن أصبح بيد الإدارة الأميركية وهي مضطرة لأن تختار بين الخروج من العراق ضمن «استراتيجية خروج» مقبولة لجميع الأطراف وهذا يتحقق عبر الحوار مع الأطراف المعنية في المنطقة، و«استراتيجية الهروب» من العراق بحال اختارت لغة التهديد والحرب كبديل عن لغة الحوار.

كاتب وباحث سياسيي

isam997@hotmail.com