عندما تعلن كوريا الجنوبية عن تخليها عن برنامج التسلح النووي، ويقوم المفتشون الدوليون بزيارة الموقع للتأكد من إيقاف المحركات عن العمل ومن ثم تثبيت نظام الرقابة، كل ذلك لا يعني إن كل شئ قد انتهى وأصبحت الأنشطة والطموحات تحت السيطرة الأميركية.

فالمرحلة المتقدمة التي بلغها النشاط العلمي والتكنولوجي الكوري لا يمكن أن تسمح بالعودة إلى الوراء ما لم يتم تطبيق البرنامج التدميرى المتكامل الذي جرى تطبيقه ضد العراق وانتهى بحرب وحشية لاتزال مشتعلة حيث تم استهداف النخبة العلمية العراقية بواسطة التصفية الجسدية والخطف والإغراء بعد الانتهاء من تدمير البنية المادية للمشروع العراقي على إثر ما سمي بحرب الخليج الثانية.

بما أن السيناريو العراقي لا يمكن تكراره في كوريا الشمالية لأسباب كثيرة ومعروفة، فأن القدرات العلمية الكورية المتمثلة في رأس المال البشرى الذي راكمته التجربة العلمية والتكنولوجية خلال الفترة الماضية ستظل محتفظة بقيمتها وفاعليتها القابلة للاستثمار في أية مشاريع مستقبلية سلمية كانت أم تسليحية، ولذا فان كوريا الشمالية بقبولها للحل السياسي تحت الغطاء الأممي لم تبح في الحقيقة بالشيء الكثير إذا ما نظرنا إلى ظروفها الداخلية.

لعل الولايات المتحدة الأميركية وهى المعنية بالملفين النوويين الكوري والإيراني تدرك أن هذه التسوية التي قبلت بها كوريا لا تعني عمليا إقصاء البرنامج النووي الكوري نهائيا، فما تم حتى الآن من ترتيب كإيقاف تشغيل المحركات وتفكيك بعض أجهزة الطرد والى غير ذلك من الخطوات المتفق عليها، كلها يمكن التراجع عنها والبدء من نقطة التوقف وليس نقطة الصفر إذا ما وجدت كوريا الشمالية نفسها في أحد الأوضاع التالية:

1-أن يحصل تطور اقتصادي على صعيد البنية والإنتاج يجعل الداخل الكوري أكثر قدرة على مقاومة الضغوط الاقتصادية والسياسية الخارجية التي كثيرا ما تتحالف مع تكالب كوارث وظروف الطبيعة البيئية في شبه الجزيرة الكورية، فقد كان من الواضح أن الوضع الاقتصادي الكارثي لكوريا الشمالية هو السبب الأول والحاسم خلف تليين الموقف المتشدد للنظام الكوري تجاه المقترحات والحلول السياسية المتعلقة بالبرنامج النووي.

فلم يكن التلويح بالخيار العسكري والحصار الاقتصادي لتثني عزيمة التصلب الكوري لولا حالة التردي التي وصل إليها الوضع الاقتصادي الكوري والذي أضحى يهدد بمجاعة عامة وضعت النظام في مأزق داخلي ينبغي عليه مواجهته ولو بتقديم ما يعتبرها تنازلات ضرورية لإنقاذ حياة الملايين من الذين يحكمهم.

2-أن لا تؤدي هذه التسوية إلى تحقيق الوعود الأميركية والغربية بتحسين الوضع الاقتصادي الداخلي بشكل ملموس يجعل النظام السياسي الكوري الشمالي يحس بأنه حقق إنجازا في نظر مواطنيه الذين يعانون من ظروف معيشية يغلب عليها الطابع الكارثي، ففي مثل هذه الحالة لن يجد النظام سببا مقنعا بالنسبة إليه يجعله يستمر في الوفاء بما التزم به من تنازلات طالما أن النتيجة التي يتوقعها وهى تحسن شروط حياة مواطنيه بالقدر الذي يعطى لسياسته وأيديولوجيته مصداقية ما في نظر هؤلاء.

لأنه في حالة مماطلة الغرب وعدم وفائه بالتزاماته بالكيفية التي يتوقعها النظام الكوري الشمالي فإن هذا الأخير سيعتبر ما قام به هو مجرد تنازلات بدون ثمن تضعف من موقفه ومصداقيته داخليا، ولذا سيضطر إلى العودة إلى سياسة الابتزاز النووي في مواجهة قوى لم يكن معروفا عنها هي أيضا في علاقاتها مع الآخرين طوال قرون سوى استخدام القوة وابتزاز كل نقطة ضعف فيهم.

3-إذا أتضح أن التسوية لا يقصد منها أي شئ آخر سوى أنها خطوة لإسقاط النظام السياسي من الداخل فالنظام الكوري الشمالي يدرك حقيقة نوايا ومواقف الولايات المتحدة والغرب تجاهه.

ولكنه على الأغلب يقبل بالتعامل معهم من خلال هذه التسوية إذا ما استمروا من جانبهم في الوفاء بالتزاماتهم المعلنة بصرف النظر عن نواياهم، أما إذا ثبت لديه أن رهانهم الوحيد هو إسقاطه فقط فإن ذلك لاشك لن يترك خيارا أمام هذا الأخير سوى العودة إلى التشدد لأنه من غير المتوقع أن يقبل بالسقوط نتيجة لما يعتبرها مؤامرة خارجية طالما بإمكانه أن يدافع عن نفسه، ولذا فانه سيجد في التمترس خلف التسلح النووي وسيلة التهديد الوحيدة التي تحوز على المصداقية في مواجهة ما تتربص به من أخطار، ولعله في مثل تلك الحالة ستكون العودة أكثر تصلبا واستفزازية لخصومه الذين يعملون على إسقاطه دون مواجهة .

ولهذا فسيحاول إرغامهم إلى الدخول في أجواء التحرشات والمواجهة لكي تعود المنطقة مرة أخرى إلى دوامة الخوف من اندلاع صراع مسلح تطال نتائجه جيران كوريا الشمالية القريبين والبعيدين، خصوصا أن غزو هذه الأخيرة بالنسبة للولايات المتحدة الأميركية لن يكون نزهة عسكرية على غرار بدايات غزو العراق الذي تضافرت له كل شروط النجاح داخليا وإقليميا أثناء العمليات العسكرية.

4-في حالة حدوث تغير دراماتيكي أو تبدل جوهري في العلاقات بين الولايات المتحدة الأميركية والجيران الإقليميين الكبار لكوريا الشمالية كالصين وروسيا، ففي مثل هذه الحالة سيجد النظام الكوري ظروفا وتشجيعا كبيرين من قبل هؤلاء لخلق مزيد من المتاعب للولايات المتحدة لكشف عورة نقاط ضعف استرتيجيتها الكونية.

فما يمكن أن يوفره هؤلاء الجيران من حماية في مجلس الأمن سيحرم الولايات المتحدة من الغطاء الدولي ويجعلها أمام خيارين إما التخلي عن فكرة المواجهة والبحث عن حلول سياسية يكون فيها الموقف الكوري أكثر قوة ولايحتاج إلى تنازلات، أو تختار المواجهة العسكرية.

وهى تدرك أنها لاتقوم بغزو بلد يحيط به حلفاؤها من كل جانب ويضعون بكل طيب خاطر مياههم وأجواءهم ويابسهم تحت تصرف قواتها الغازية، بل داخلة على مغامرة ستضطرها إلى وضع رجلها العسكرية في الصحن الصيني وهو قرار لايمكن التكهن بحجم عواقبه الكارثية طالما أن الصين وروسيا يقفان ضده.

قد تكون الولايات المتحدة نجحت ظاهريا في الحصول على تنازلات من كوريا الشمالية بقبول هذه الأخيرة للتسوية السياسية ولكنها تدرك بأن هذا الاتفاق لن يعيد الوضع النووي الكوري إلى نقطة الصفر، بل هو اتفاق غرضه الأول حفظ ماء الوجه الأميركي وذلك ما حرصت كل من الصين وروسيا على أخذه في الاعتبار.

كاتب ليبي جامعة بنغازي