تبدو العاصمة اللبنانية في هذه الأيام، أشبه بخلية نحل، حراك سياسي واعد، يتداخل ويتفاعل مع زحمة تحركات ووساطات عربية وأجنبية، ناشطة؛ على نحو غير مسبوق.

الزوار يتوافدون على بيروت بصورة مكثفة. لقاءاتهم مع القيادات اللبنانية تكاد تتقاطع مع بعضها. كل ذلك يجري وسط خمود ملحوظ، ولو نسبياً، في نارية الخطاب السياسي. في ظل حالة انفتاح لدى الأطراف المعنية واستعدادها للأخذ والرد والتفاعل مع الفرص المتاحة على أرضية مبادرة رئيس مجلس النواب، نبيه بري. بل يبدو ان هناك ثمة قابلية للاستجابة إلى صيغة توافق؛ انطلاقاً من هذه المبادرة على الأقل هذا ما تبوح به أجواء اللحظة الراهنة.

من أبرز الاشارات المشجعة، أن هذه المبادرة لا تزال على الطاولة؛ منذ أكثر من أسبوعين. ليس فقط أنها لم تسقط ولا جرى شطبها من الحسبان؛ بل هي أيضا صارت محور المداولات الجارية بحثاً عن مخرج. والأهم من ذلك ان التعاطي معها تطغى عليه لغة المطالبة بتطمينات خامنة، بدلاً من لغة الشروط المتقابلة. وفي ذلك بوادر حلحلة. في أقله، بوادر نية في هذا الاتجاه. وهذا بمعايير الأزمة اللبنانية، تطور.

الشروط المتبادلة اليابسة كانت نتيجتها، اطالة الأزمة وزيادة تعقيدها. والمشجع أكثر ان الدعوة للتعاطي مع المبادرة والنظر إليها بجدية وايجابية، تكاد تتردد يوميا على لسان الغالبية الكاسحة للمرجعيات اللبنانية؛ السياسية والروحية والمدنية. الأمر الذي يعطيها شحنة قوية من التزخيم والتعويم.

يصب فيها ويعززها عودة الدبلوماسية العربية في بيروت إلى التحرك المكوكي؛ في هذا السياق؛ فضلاً عن تدفق المبعوثين والمسؤولين الأوروبيين إلى بيروت ولقاءاتهم مع أطراف الأزمة؛ والذي يصل اليوم إلى ذروته مع وصول وزير الخارجية الفرنسي، كوشنير إلى لبنان.

وإذا كان هذا الازدحام يشي بأمر مهم، فهو ان الاعتقاد يكاد يجمع، بين سائر الجهات والأطراف بأن هناك فرصة، لا يجوز تفويتها. خاصة وأن موعد الاستحقاق الرئاسي، يزحف بسرعة. وقد صار على مرمى حجر. يوم 25 الجاري تبدأ مهلة الشهرين الدستورية لانتخاب رئيس جديد.

الرئيس بري حدد هذا التاريخ لعقد أول جلسة لمجلس النواب؛ لهذا الغرض. موضوع النصاب القانوني لا يزال نقطة الخلاف الرئيسية. وإذا كان من المستبعد تراجع أي من الفريقين كلياً، عن موقفه من النصاب؛ يبقى المخرج مرهون بلوغه بالتوصل إلى ضمانات، تخاطب هواجس المختلفين.

التحركات والوساطات، جارية على قدم وساق؛ في هذا الخصوص. وقد جاء دور اللبنانيين الآن للمساهمة في هذه الورشة؛ لإنجاز مهمتها. وإذاكانت الضمانات مطلوبة من وسطاء الخير؛ فإن المطلوب منهم استبدال لغة التراشق والتصعيد بلغة الانفتاح المتبادل على فرص التوافق. الأزمة اللبنانية مرت بتعقيدات أدت إلى شبه شلل. هذه المرة هي أمام استحقاق لا يحتمل الفشل. البديل عن الاستجابة له ليس الشلل. بل الفراغ والمجهول.