ظن الكثيرون وكنت منهم، وبعض الظن إثم وكذب، أن دولة الشعر قد انهدّت أركانها وسقط كيانها، وأن العرب قد تنكروا لهويتهم وخاصيتهم الإبداعية، وتخلوا عن الشعر والفصاحة والبيان وسحر الكلمة «وإن من البيان لسحرا».

لكن أبت أبوظبي عاصمة الإمارات العربية المتحدة، وعاصمة الشعر وشاعرة المدن بلا منازع، إلا أن تؤكد وتثبت أن المعدن الأصيل لا يرقى إليه الصدأ، وإن تراكمت حوله أتربة النسيان وغبار الزمن.

وكما يقال «كل شيء له حظ من اسمه»، والعلاقة بين الظباء والشعر متأصلة عريقة ولا تقبل الانفصام، فقد تغنى بها الشعراء منذ أقدم عصور الشعر العربي المحفوظ، مثل قول الشاعر الفارس عنترة بن شداد في قصيدته الرائعة التي غنتها الفنانة الراحلة هيام يونس:

مرّت أوانَ العِيد بَيْنَ نَواهدٍ مثل الشموس لِحاظُهُن ظِبَاءُ

وها هي هذه المسابقة المبِتكرة تؤكد أن تلك العلاقة الحميمة بين الشعر و«الظبي» ما زالت راسخة متأصلة، رغم أنف التكنولوجيا وأحدث مخترعاتها الساكنة والمتحركة.. بل ورغم أنف من أرادوا مسخ الشعر العربي وحاولوا انتزاع روحه ونزع هويته، وتوهموا أنهم يستطيعون تكبيله وخنقه في ملابس مزيفة مستوردة!

لقد كان الشعر «ديوان العرب» قديما وسيبقى، رغم كل شيء، رمزا لهويتهم الإبداعية باعتباره الفن الذي احترفوه وأبدعوا فيه قبل أي فن وأكثر من أي فن آخر.

ومع أن هذه المسابقة حققت الكثير من النجاح والتميز إبداعيا وتنظيميا، فإن من أهم وأبرز النجاحات التي حقتها أنها أظهرت وأكدت أن لغة الضاد لا تزال هي الأقدر والأبرع في تحقيق التواصل والتفاعل الحي بين الناطقين بها.

وإن تعددت أقطارهم وتباعدت مواطنهم، من الخليج إلى المحيط. كما أعادت «إمارة الشعر» للشعر رونقه وللغة مكانتها، رمزَ هويةٍ ومجال إبداع وإمتاع، وهو ما غاب عنها أمدا طويلا حتى كاد البعض ينسى لغته ويفقد هويته.

ومن مميزات هذه المسابقة، الأولى والأكبر من نوعها، أنها كشفت مدى ما تزخر به الساحة الثقافية العربية عامة والشعرية خاصة، من المواهب والإبداعات التي كان الكثير منها مغمورا ومجهولا، وفي كل الأحوال لم يسبق أن أتيح لها مثل الفضاء الواسع الفسيح، زمانا ومكانا، للتواصل والتلاقي بين الشعراء أنفسهم من ناحية، ومع هذه الجماهير المليونية على امتداد الوطن العربي كله من ناحية ثانية.

فعلى مدى عشرة أسابيع متصلة احتضنت أبوظبي هذه المسابقة البكر التي تقدم لها أكثر من خمسة آلاف من هواة الشعر ومحترفيه، للتنافس على من يستحق في النهاية لقب «أمير الشعراء».

ثم تقلص العدد إلى ثلاثمئة بعد التصفية الأولى، واستمرت التصفيات عبر مسيرة إبداعية تصاعدية ممتعة ومرهقة، أخذ فيها النقد دوره وكان للتذوق والمشاركة الشعبية نصيب وافر، إلى أن انحصر السباق بين خمسة وثلاثين كانوا الأبرز والأجدر بين المتنافسين، لكن الإبداع غيور، وقوانين المسابقة لا تقبل شريكا على القمة، فكان لابد أن تستمر المباراة جهدا وإبداعا، إلى أن وصلت مرحلة «خمسة نجوم» كلهم استحقوا هذا الموقع وكانوا أهلا للقب اختيارا وارتجالا.

والتقت آراء اللجنة المحكّمة وأصوات الجمهور على تتويج الشاعر الإماراتي المتألق عبد الكريم معتوق بلقب «أمير الشعراء»، ليكون بذلك أول شاعر عربي يحظى بمثل هذا التكريم منذ نحو قرن من الزمان حين بويع أحمد شوقي أميرا للشعراء عام 1927.

ويبقى الفائز الأول في هذه المسابقة هو العاصمة أبوظبي ودولة الإمارات عامة، والمستفيد الأكبر هو لغة العرب وهويتهم ووحدتهم، لغويا وشعريا على الأقل، رغم كل محاولات التمزيق والتفتيت.

فقد كان التفاعل الجماهيري مع حلقات هذا المهرجان الشعري الجميل، دليلا واضحا وبرهانا ساطعا على هذه الوحدة التي جمعت العرب في «قصيدة ذوقية ووجدانية» لا تقل روعة وجمالا عما أبدعته قرائح هؤلاء المبدعين. وليس غريبا على من أبدعوا الإمارات قصيدة بناء وعطاء، أن يحتفوا بالشعر ويحتضنوا الشعراء من كل قطر عربي.

وإذا كان من ملاحظة تضاف، فهي أنني شخصيا كنت أتمنى لو طالت مدة «الإمارة» أكثر من سنة واحدة، لكي يتمكن «أمير الشعراء» من استثمار موقعه ومكانته لمصلحة الشعر والشعراء، وليكون لدى المتنافسين وقت أطول للتحضير والاستعداد للمشاركة في الدورات التالية.