لا تستقر الأفكار والرؤى والأمور في عالمنا بذات استقرارها في المجتمعات المنتجة لها في الغرب، بل إن هذه الأفكار والرؤى... تحتاج لمدى زمني حتى تستقر في عقل الناس وشبكة علاقاتهم وممارساتهم الاجتماعية.
من هنا تبدو حالة تبني البعض والجماعات للمواقف والأفكار المتطرفة والخارجة عن المعقول والمعبرة عن حالة من حالات التبني الميكانيكي وغير الواعي لهذه المواقف والأفكار.
وقبل أكثر من عقد من الزمان عند ما تفكك الإتحاد السوفييتي واتجهت دوله المستقلة وروسيا صوب الرأسمالية والرأسملة برز تيارا متطرفا في هذه الدول داعيا لتطبيق التحول الرأسمالي بقدر من التشدد حتى علق احد الاقتصاديين الأميركيين في حالة روسيا بالقول إن معضل تحول روسيا نحو الرأسمالية وتلكآت هذا التحول إن هو إلا نتاج لما أسماه البعض ببروز رأسمالية روسية متشددة تفوق حالة الرأسمالية الغربية أو ما يسمى تحديدا بالرأسماليين المتوحشين .
وهي نسخة من الرأسمالية التي تختفي فيها قضايا الرفاه الاجتماعي وتبتعد كثيرا عن نموذج الاشتراكية الأوروبية أو ما يسمى بالرأسمالية - الاشتراكية في أوروبا المعاصرة.
أي أن تبني اقتصاد السوق لا ينفي أو ينزع عن الدولة تعهداتها والتزاماتها تجاه المجتمع ورفاه الجماعات الأقل حظا فيه من حيث الدخل ومستوى المعيشة اللائق.
ولا تبدو علمانية العسكر الأتراك ببعيدة عن حالة من حالات الامتزاج الإيديولوجي بالعاطفي. فكما أن بعضا من رجال الدين في المنطقة العربية قد فهموا العلمانية نفيا للدين فدعوا لسقوطها، إذ بدا موقفهم في هذا نافيا للآخر بل محرضا عليه.
فإن علمانية العسكر الأتراك لم تكن أقل تطرفا وحدة من موقف بعض من رجال الدين، فهم في ذلك لم يخبروا تلك التغيرات التي جاءت على العلمانية الغربية فجعلت منها نمطا لحياة التعايش بين المختلف وبين الدولة والمجتمع.
فجل هؤلاء فهم العلمانية ليس في إطار وقف توظيف الدين والمسائل الأثنية الأخرى في السياسة، وإنما في إطار نفي الدين عن المجتمع وليس إبعادا للدين كنسق روحاني وتنزيهه عن «أوساخ» السياسة ومطباتها. وهي المسألة التي طالما خَوّف على أساسها البعض من رجال الدين العامة من العلمانية.
وفي هذا الإطار فقد أوردت الصحف ووكالات الأنباء خلال الأسابيع القليلة الماضية خبر عدم تهنئة ومصافحة كبار العسكر الأتراك للرئيس التركي الجديد المنتخب من قبل البرلمان التركي الذي يسيطر عليه حزب العدالة والتنمية الاسلاموي، كما ورد أنهم لم يوجهوا الدعوة إلى زوجته المحجبة ليوم احتفالات النصر في 22 أغسطس.
وهو تقليد قد مارسوه خلال الأربع سنوات الماضية مع زوجة رئيس الحكومة المحجبة، كما أن كبار العسكر الأتراك قاطعوا خلال الأسبوع الماضي أول حفل استقبال يقيمه الرئيس التركي الجديد عبدالله غول.
وبعيدا عن إشكالات السياسة الداخلية التركية وصراع العسكر مع الجماعات الاسلامية وكذا اليسار التركي، فإن موقف العسكر الأتراك هذا يمثل حالة من حالات عدم القدرة على التكيف مع وجود جماعة إسلاموية قد يكون بعضها قد نصب العداء في التاريخ القريب للمؤسسة العسكرية التركية بل ودخل في صراع دموي معها.
وهي جماعة باتت من القوة الآن بحيث تمسك بمراكز القوة الثلاث في الدولة التركية: رئاسة الجمهورية ورئاسة الحكومة والبرلمان. ويبقى السؤال الذي من خلاله تثار كثير من المخاوف وهي هل سيطرة حزب العدالة والتنمية على مفاصل الدولة قد يقود الحزب للوقوع فيما يسميه البعض بالأوليغاكية الأتاتوركية وبالتالي الارتاد على أسس الدولة العلمانية في تركيا وإقامة الدولة الإسلامية.
أم أن «الأردوغانية الاسلامية» هي نسخة متطورة ومتقدمة عن الاسلاميات الشائعة في المنطقة العربية، وهي إسلاموية مندمجة في العصر متصالحة مع العلمانية وأن وصولها للحكم قد شكل بداية ولادة جيل جديد من الجمهورية التركية كما يقول هوشنك أوسي: جمهورية متصالحة مع العالم قائمة على التعددية والاختلاف الفكري والتنوع الأثني المكون للمجتمع التركي.
ورغم اتسام موقف العسكر الأتراك بقدر من التطرف والافتقاد للكياسة السياسية إلا إن تخوفهم وشكوكهم هذه تعكسها حقيقة موقف الأحزاب الاسلامية بشكل عام وتحديدا تلك المتسيدة في المنطقة العربية من نزوع نحو الاستيلاء على السلطة بالقوة أحيانا أو في الإمساك بها عنوة عند الوصول إليها، وهي المواقف التي باتت مشكلة للموقف العالمي من الأحزاب الدينية. وهي مخاوف لم تقدم الأحزاب الاسلامية ضمانة عدم الإقدام عليها.
فالأحزاب الاسلامية العربية تحديدا لم ترى في العملية الديموقراطية إلا «مفسدة صغرى لمواجهة مفسدة كبرى» وهي نتيجة لهذا الفهم أو التقديم الفقهي تهيئ نفسها للارتاد على الأداة التي من خلالها قد وصلت أو ستوصل بها للسلطة.
ألم تكن تصريحات الجماعات الإسلامية الجزائرية بالارتداد عن الديمقراطية الغربية في مطلع التسعينات سببا لانقضاض العسكر على السلطة فيها والرجوع عن مسار الإصلاح السياسي، وهل منع وصول حماس للسلطة الفلسطينية عن الطرق الديمقراطية من تهيئة كل السبل السياسية والعسكرية للمكوث في السلطة.
وألم يصرح أحد قادتها البارزين يوما من أنهم الآن في طريقهم لإقامة الإمارة الإسلامية ألم تمثل القوة التنفيذية الأداة العسكرية لحماس للاحتفاظ بالسلطة أو بالانقضاض عليها.
وألم تكن التدريبات العسكرية أو شبه العسكرية لجماعة الأخوان المسلمين في جامعة الأزهر في مصر سببا ومبررا لانقضاض السلطة المصرية على تنظيم الأخوان المسلمين وإمبراطوريته المالية.
أي بمعنى آخر إن العملية السياسية الديمقراطية بالنسبة للاسلاميين العرب، إن هو إلا طريق نحو تحقيق أهدافهم في إقامة الدولة الدينية وإن توظيف هذه الأحزاب للدين إن هو إلا أحد السبل لخدمة مراميهم السياسية. وكلامنا هذا لا يعني بالضرورة تبرئه للدولة العربية من نكوثها لوعود الإصلاح أو الارتداد عليها.
أما في الحالة التركية فقد أثبت حزب العدالة والتنمية قدرة على أن يكون التوافق حوله مبنيا على معطيات دوره السياسي وإنجازه الاقتصادي وليس أطروحته أو أطروحاته الدينية. كما أن الحزب كان حذرا خلال أربع السنوات السابقة التي قضاها في الحكم من عزله لمعطى التوظيف السياسي للدين في سياساته الاقتصادية والسياسة وبرامجه التنموية.
وسواء أخذنا بمخاوف العسكر الأتراك أم لم نأخذ بها فإن دارس الحالة الإسلامية التركية أو الإسلام السياسي التركي لا يستطيع إلا الإقرار بحقيقة أن هناك نموذجا جديدا ومختلفا عن الإسلامية العربية، أخذا حضوره ووجوده على الأرض في المجتمع التركي، وهي تجربة جديرة بالدراسة بل هي حقا تجربة قابلة للتبني.
وإذا ما أراد الإسلاميين العرب التصالح مع العصر ودخول التاريخ، فإن قدرا ولربما قدرا كبيرا من التغيير لا بد أن يصيب خطابهم السياسي وأطروحاتهم الطوباوية وممارساتهم على الواقع. هذا الواقع الذي بات مختلفا ومتنوعا عن السابق، فلا إقصاء الآخر يتصالح معه ولا تكفيره سيصلح العالم. أن التعايش مع المختلف والقبول بالتعدد والتنوع هو المخرج نحو حالة سياسية واقتصادية جديدة، فهل سيدرك ذلك الإسلاميين العرب أم سيدركهم الزمن.
كاتب بحريني