أشار كثير من الدارسين إلى العلاقة الوثيقة بين اللغة والقوة بمفهومها الأكثر شمولا، ومدى تأثير الثانية في الأولى تأثيرا قد يصل أحيانا إلى درجات قصوى من الإضعاف والتهميش؛ فقد ذكر دورين أنّ «الولاء للغة يبقى ما دامت الظروف الاقتصادية والاجتماعية تمثل عوامل مساعدة لها، ولكن إذا أثبتت لغة أخرى أنها تملك قيمة أعظم، فإن تحولا إلى اللغة الثانية سيبدأ».
فالإخلاص للغة متجذر في أرضية اقتصادية قوية أكثر مما هو مرتبط بأبعاد حضارية أو تراثية مستقلة. ولا استثناء على هذه الحقيقة إلا في حالات ترتبط فيها اللغة بدعامة أساسية في حياة الناس كالدين مثلا.
إنّ الإشارات السابقة إلى قوة العلاقة بين اللغة والقوة تزداد رسوخا وثباتا في هذا العصر؛ فمع إفرازات العولمة والنظام الاقتصادي الجديد، والثورة المعلوماتية والانفجار المعرفي المتسارع أضحت اللغات مظهرا سريع التأثر من مظاهر الحياة، غير قادر على الصمود أو الثبات في وجه العملقة اللغوية للغات القوية.
وبخاصة اللغة الإنجليزية؛ فقد علا الاقتصاد على كل المظاهر الأخرى في حياة الناس، وأصبحت كثير من القيم تقاس بمقياس الربح والخسارة، وتحول النظر إلى اللغة.
في كثير من أجزاء العالم، على أنها علامة أساسية للهوية الوطنية إلى النظر إليها على أنها سلعة تسويقية منفصلة عن الهوية، بل إنّ الهوية نفسها أصبحت تسوّق، في صورة منتجات تراثية كالرقص والموسيقى والحرف اليدوية منفصلة تماما عن اللغة.
ولعل التعليم هو أكثر المجالات التي يظهر فيها تأثر اللغة بما يكتنف حياة المجتمع من تقلبات سياسية واقتصادية واجتماعية جديدة، ولذلك نرى متخذي القرار في كثير من الدول منساقين وراء اعتماد اللغة الإنجليزية لغة للتعليم، لا لأسباب تربوية أو تعليمية خالصة.
بل لعوامل سياسية واقتصادية تضغط بقوة حين يكون الحديث عن اللغة والتعليم. فقد تغيرت أهداف التعليم عن العصور السابقة، وأصبح التعليم مصدرا من مصادر دعم القوة السياسية والاقتصادية للدول، إنه متأثر بقوة بالتوجه العالمي الجديد نحو النمو الاقتصادي، وينظر إليه على أنه وسيلة لتحقيق المصالح الاقتصادية والاجتماعية. ولذلك ظهر ما يعرف الآن باقتصاد المعرفة.
وهكذا يصبح أي طريق إلى القوة أو السلطة أو التنافس مع القوى العظمى له الأولوية في الاختيار، وإن كان ذلك قد يؤدي إلى تهميش اللغة الأم أو إخراجها من سياقات مهمة جدا كالتعليم أو المعاملات الرسمية المختلفة.
وتشير كثير من الدراسات الحديثة إلى الحاجة الماسة إلى تغيير دور التعليم في المجتمعات التي تتحرك نحو عولمة السوق بحيث يحقق شروطا أساسية من أهمها زإضفاء البعد الدولي على المقررات الدراسية المتعلقة بالسوق العالمية المحتملة، مع إتاحة مجال أكبر للمقررات التي تساعد الدارسين على تكوين فهم أفضل للعالم كالتاريخ والسياسة والاقتصاد.
وتدريبهم ـ في سياق دولي- على إقامة العلاقات الإنسانية وإدارة الموارد البشرية، هذا بجانب التأكيد على دراسة اللغات الأجنبية والثقافات الخاصة بالمشاركين المحتملين ـ سواء في التجارة أو في العمل- مع ضرورة إكساب هؤلاء الطلاب الكفايات الأساسية للتعامل مع تقنيات العصر.
إنّ هذا التوجه نحو عولمة السوق وما ينتج عنه من تداعيات كثيرة يصل مداها إلى محو خصوصيات المجتمعات والذوبان فيما يسمى بالعالم الجديد يتحرك بسرعة كبيرة في كل المجالات.
ولذلك ظهرت اتجاهات عالمية تميل إلى ما يسمى بتدويل التعليم، «تجلت في تدويل مقررات ثقافية عامة، وكذا تدويل بعض المقررات التخصصية كما في العلوم التجارية والإدارية، أو في مجال الأدب المقارن أو القانون الدولي أو علم الاجتماع أو العلوم الزراعية، هذا فضلا عن التدويل من خلال برامج اللغات الأجنبية».
وإذا أردنا أن نحصر النظر في عالمنا العربي فإن ما يحدث فيه بشأن تغيير سياسات التعليم، والانتقال بالتعليم إلى نظام الخصخصة، وفتح الأبواب للجامعات الأجنبية الخاصة، وتغيير مناهج التعليم في المدارس والجامعات، والتأكيد على أهمية اللغة الإنجليزية يشير بوضوح إلى أنّ عالمنا العربي ليس بمنأى عن تأثير العولمة والنظام الاقتصادي الجديد.
وعلى الرغم من أنّ هذا التحول الكبير في سياسات التعليم لا يخلو من إيجابيات، تتمثل في تطوير طرق التعليم، وتحديث وسائله، والاستعانة بمصادر التعلم المتنوعة التي تتصدرها المصادر الإلكترونية والشبكة العالمية، إلا أنّ آثاره السلبية لا تخفى على أحد، خاصة .
فيما يتصل بالمحافظة على الهوية واللغة العربية والتماسك الاجتماعي وتقدير الخصوصية التاريخية والتراثية للمنطقة والتمسك بالقيم والتقاليد الإسلامية، فقد بدأت هذه القيم تتراجع تراجعاً واضحاً في السياقات التعليمية المختلفة، رغم بعض الجهود التي تحاول أن تحفظ لها مكانتها وتماسكها.
لقد نتج عما يسمى بعولمة التعليم في المجتمعات العربية، وغيرها من المجتمعات النامية، «انسحاب حضاري» للعناصر الجوهرية التي تشكل هوية المتعلمين وخصوصيتهم التاريخية والقومية والإنسانية. وأصبح المتعلمون أنفسهم لا يشعرون بأهمية هذه العناصر ودورها في تشكيل شخصياتهم ومستقبلهم.
فالعولمة بمعطياتها الخاصة ونفوذها وسيطرتها تُصَدِّر للشباب تصورات مغرية وقوية التأثير للحياة الجيدة والأشياء الجيدة من منظورها الخاص، مكونة بنية تصورية جديدة لما يجب أن يطمح إليه الشباب برغبة قوية وتوق شديد، يصاحبها أحيانا شعور بالحرمان والنقص لعدم امتلاك مقومات الحياة الجيدة التي تفرضها العولمة على العالم، إنّ العولمة تتجه بالعالم نحو ما يسمى بالتجانس الثقافي الذي تتلاشى فيه الفروقات والخصوصيات الثقافية للشعوب، وتطغى فيه صورة وحيدة للثقافة تصدرها الولايات المتحدة الأميركية لكل الشعوب.
فإذا أردنا أن نحصر الكلام في اللغة الأم، فإنها في كثير من أنظمة التعليم ـ استجابة لمتطلبات النظام العالمي الجديد وإفرازات العولمة والانفجار المعلوماتي ـ تتراجع تراجعا مستمرا، وتصبح في كثير من الأحيان اللغة الثانية، بغض النظر عن التصريحات الرسمية بضرورة المحافظة على اللغة الأم وتقديرها.
ولا يقتصر الأمر على الجانب الرسمي أو السياسي للمسألة، بل إنها آخذة في التراجع عند الناس عامّة، وفي هذا إشارة واضحة إلى ما سبق أن ذكرناه من ارتباط اللغة بمقومات القوة في المجتمع، وعلى رأسها الاقتصاد والتقدم العلمي والتقني.
ويبدو أنّ النهوض باللغة الأم في كثير من المجتمعات النامية، كالدول العربية مثلا، عمل يتطلب بذل الجهود العظيمة، واستثمار الكثير من الأموال، وخطة عمل تستغرق زمنا طويلا، وإرادة قوية، ورغبة حقيقية صادقة في خدمة اللغة الأم، واقتناعا بأهميتها ودورها الفاعل في النهوض بالمجتمع والإسهام في تطويره وتمكينه.
وهذا أمر تستثقله كثير من الحكومات والمؤسسات الرسمية حين تقارنه بمسألة اختيار اللغة الإنجليزية لغة للتعليم، إذ إن ذلك يعفيها من متطلبات مادية كثيرة، قد لا تراها تستحق أن تُبْذَل في شأن يبدو لها غير منطقي أو غير مضمون النتائج، وهي التي تقيس الشؤون كلها الآن بمقياس الربح والخسارة الماديين.
فقد أصبح اختيار لغة التعليم اليوم خاضعا لمقاييس بعيدة كل البعد عن المحافظة على الهوية والتراث، وتقدير اللغة الأم، والتمسك بالقيم الخاصة بالمجتمع، وأخذ ينحو نحو الاستجابة للمتغيرات العالمية المتوالدة المتسارعة التي ارتبطت باللغة الإنجليزية، وجعلتها المصدر الأول من مصادر المعرفة والعلوم والتقدم التقني، والمادة الأساسية التي تنتج بها مواد التعليم على اختلاف مجالاتها ومستوياتها.
وأصبح ينظر إليها على أنها لغة النخبة، ولغة القوة، ولغة النفوذ، في حين ينظر إلى كثير من اللغات اليوم على أنها تفتقر إلى الموضوعية والعلمية والقبول العالمي.
جامعة الإمارات