بالرغم من الموقف الاجتماعي والأخلاقي والشرعي الرافض للفساد والمجرِّم له، إلا أن الفساد بات - وبشكل غير مسبوق أو مألوف تاريخيا- ظاهرة علنية وشاملة وعولمية ؛ إذ لا يكاد يخلو منها مجتمع أو نظام سياسي سواء كان شمولياً أو ديمقراطياً، استبدادياً قمعياً أو يدعي الشفافية، فالفساد منتشر بأشكاله وأصنافه في كل مكان، وتجلياته السلوكية لا تخفى على أحد كما لا تكاد تخلو منه إدارة أو مؤسسة عامة أو خاصة، حتى طال أكثر المؤسسات حساسية كالجامعات والمدارس والمستشفيات، وربما المؤسسات الدينية.
في بلداننا العربية هناك حالة تضخم واضحة في حجم الفساد (وصل في عام 2006 ـ إلى 300 مليار دولار)، ويمثل هذا الرقم ثلث حجم الفساد على مستوى العالم ؛ كما يعادل الناتج القومي لمعظم الدول العربية (بحسب تقرير البنك الدولي).
إن الفساد عام بمستوياته الكبرى والصغرى، وعام بأنواعه الدولية والمحلية، وعام بمظاهره، هناك فساد سياسي حيث لا ديمقراطية ولا مشاركة بل فئوية وعشائرية وطائفية وإثنية ،هناك فساد مالي حيث الرشوة والاختلاس والتهرب الضريبي.
وحيث العمولات والعقود والأتاوات وتسخير السلطة، هدر وإسراف في استخدام المال العام، هناك فساد إداري حيث لا شفافية بل شللية، لا ضوابط ولا التزام بل تسيب وترهل، لا محاسبة ولا مساءلة، لا تنافسية ولا موضوعية بل محاباة ومحسوبية، لا دافعية ولاحماسة بل تكاسل وسلبية ونكوص، ولا جماعية في العمل بل أنانية وفردية وتقوقع،
هناك فساد أخلاقي، حيث التجاوز على قواعد السلوك وأخلاقيات المهنة، وتجاوز على أخلاقيات وقيم المجتمع لدرجة باتت وقائع التحرش وخدش الحياء العام علنية وعادية بل ربما من شروط الصنعة، لدى مقاربة موضوعة الفساد يصعق المرء بمفارقات كثيرة ومتنوعة، فالولايات المتحدة التي تدعي حراسة الديمقراطية والحرية وحقوق الإنسان.
وتنثر أموالها وبركاتها في برامج التأهيل الديمقراطي وتستبيح العالم بدعوى إنقاذ شعوبه من استبداد الأنظمة المتسلطة عليه ؛ فإن الشركات الأميركية موسومة بأنها الأكثر شهرة وبراعة في تقديم الرشاوى للعديد من مسؤولي دول الجنوب للفوز بالصفقات التجارية وممارسة الأعمال غير المشروعة، (تليها الشركات الفرنسية، والصينية والألمانية)، يشير تقرير الشفافية الدولية إلى أنه تم اكتشاف قرابة (30) بليون دولار أميركي قدمتها الشركات الأميركية لتسهيل إبرام أكثر من (60) عقداً للشركات الأميركية في الخارج، كما أشار إلى أن هناك جيشاً كبيراً من كبار الموظفين في أكثر من (136) دولة يتقاضون مرتبات منتظمة مقابل تقديم خدمات لتلك الشركات،
أما تقرير صندوق النقد الدولي فيشير إلى أن ما بين (80 % - 100 %) من الأموال التي أقرضتها البنوك الأميركية للدول النامية تعود مرة أخرى إلى الولايات المتحدة وسويسرا وتودع في بنوكها بحسابات شخصية لمسؤولين من تلك الدول بالإضافة إلى مظاهر الإسراف الكبير في استخدام هذه الأموال واستغلالها، في حين أشار تقرير للبنك الدولي إلى أن حجم الرشاوى المدفوعة سنوياً على المستوى العالمي، قدرت بحوالي تريليون دولار.
ولعل المفارقة الأشد سطوعاً أن العديد من علماء الإدارة الأميركيين يروجون نظرياً وفكرياً لمثل هذا الفساد بالقول بأن (قدر من الفساد ضروري لأداء سياسي جيد)، ثمة مفارقة أخرى في موضوعة الفساد تتلخص في أنه في جميع أنحاء العالم هناك شعوب تكافح الفساد وتقدم التضحيات في هذا الكفاح؛ بينما يهيمن على العالم نظام دولي جديد يبرر هذا الفساد.
ويمارسه تحت عناوين براقة، نظام دولي لا يكتفي بالسكوت عن العديد من الأنظمة الاستبدادية الفاسدة بل يدفع بها لترتع بالمزيد من الفساد الأكبر والأصغر من رأسها حتى أخمص قدميها بكافة أوحال الفساد، بل هناك تبرير وشرعنة للفساد مقابل الارتماء في الحضن الأميركي الدافئ.
وتسليم مفاتيح الأوطان من بابها إلى محرابها للحرس والعسس الأميركي الدولي، ( وما الضغط الأميركي لتمرير قانون النفط والغاز العراقي إلا أحد أمثلة شرعنة النهب والفساد)، ولعل من المفارقات المؤلمة في هذا المضمار أن الفساد استشرى في المنظمات الإقليمية والدولية التي تم إنشاؤها لترعى السلم والأمن والاستقرار والازدهار في العالم.
فعلى سبيل المثال فإن الفساد طال أجهزة الاتحاد الأوروبي، مما حدا بالبرلمان الأوروبي إلى إقالة كل أعضاء لجنة الشفافية الخاصة بالاتحاد، نظراً لتقاعسهم في الكشف عن جوانب الفساد المالي، أو لتورطهم في قضايا الفساد السياسي.
أما هيئة الأمم المتحدة ومنظماتها المتخصصة فقد شابها مؤخرا العديد من قضايا الفساد رافقها دعوات منادية لإصلاح أنظمتها وإعادة هيكلتها، فبالإضافة إلى ماظهر من فساد وسوء استغلال النفوذ والمناصب، في برنامج «النفط مقابل الغذاء» الخاص بالعراق ؛ فهناك تقرير نشرته الصحف الأميركية يشير إلى أن هذه المنظمة تهدر سنوياً نحو (400) مليون دولار بسبب الفساد والتبذير وسوء الإدارة.
وفي نوفمبر /2004 اتهم الادعاء الفيدرالي مسؤول رفيع في المنظمة هو «سانجاي باهال» (رئيس العمليات التجارية في إدارة البريد التابعة للأمم المتحدة)، بسوء استخدام نفوذه ومنصبه لتوفير عقود للمدعو «نيشان كوهلي» (رجل أعمال مقيم في ميامي / فلوريدا ويمثل عددا من الشركات منها «ثندربيرد إندستريز» وشركة الاستشارات الهندية للاتصالات الهاتفية« المملوكة للحكومة الهندية).
وتم اعتقال المسؤول الأممي ورجل الأعمال بعد صدور حكم قضائي يتهمهما بعلاقتهما بمخطط للحصول على أكثر من (50 مليون دولار) بشكل عقود للمنظمة الدولية، ويقول الحكم القضائي أن المخطط للمشاريع الوهمية بدأ في عام 2000.
لدينا عشرات بل مئات الوقائع التي تؤكد شمولية الفساد، إذ لم يبق مؤسسة إلا واقتحمها، حتى المؤسسات التعليمية (من وزارات ومدارس وجامعات) التهمها غول الفساد، فقد كشفت دراسة لليونيسكو بعنوان « مدارس وجامعات يعمها الفساد:
كيف يمكن مواجهة هذه الظاهرة» (أجرى الدراسة المعهد الدولي للتخطيط التربوي التابع لليونيسكو، وأعد تقريرها «جاك حلاق ومورييل بواسون» )، وغطت قضايا الأخلاقيات والفساد، واستخدمت المعلومات المستقاة من الوزارات المعنية، ووكالات التنمية ومعاهد البحوث الوطنية في أكثر من ستين بلداً في العالم.
كشفت الدراسة عن أن «النظم التعليمية عبر العالم تعاني من مشاكل تتسبب في تقويضها بشكل جدي، ويذكر منها : رسوم التسجيل غير الشرعية، فالغش الأكاديمي، فالاختلاس، فالحث للحصول على مساعدات والتلاعب بها، إلخ»،، كما يكشف عن تسرّب للأموال بشكل غير مشروع ؛ كما يفيد باعتماد الرشوة في عملية توظيف وترقية المعلمين، وقد علق مدير عام اليونيسكو، «كويشيرو ماتسورا» على هذه الفضائح المفزعة قائلاً :
«إن الفساد المنتشر على هذا النطاق لا يكلف المجتمعات مليارات الدولارات فحسب، وإنما يؤدي أيضاً إلى تقويض الجهد الحيوي المتمثل في توفير التعليم للجميع.
ويشكل عائقاً أمام الفئات الفقيرة في سعيها لإرسال أطفالها إلى المدرسة، ويحرم المدارس والتلاميذ من المعدات، ويتسبب في تدني مستوى المعايير التعليمية، وبالتالي المستوى التعليمي، ويضع على المحك مستقبل شبابنا. فلا يسعنا البقاء مكتوفي الأيدي».
هناك فساد كثير ولكن معظمه يتيم الأبوين، إذ أن معظم وقائعه تقيد ضد مجهول، ونادراً ما يتم القبض على مفسدين، وإن حدث ولوحق بعضهم فإنما معظم الملاحقات إنما تأتي في إطار صراع القوى الداخلية حين يسعى كل طرف للكشف عن فساد الآخر لتدمير شعبيته والإنفراد بالسلطة، في ظل هذا الحال فإن الأوطان والشعوب تبقى المتضرر الوحيد، فهل من رشد وهل من تقوى ؟
سياسي وبرلماني سابق وخبير قانوني أردني