هل كٌتب علينا أن نكتئب دائماً حتى في أعيادنا؟ من حرّم الفرحة علينا؟ ومن أين أتت ثقافة «التجهم» التي شكلت وجوهنا وسيطرت على سلوكنا حتى في الأعياد ومناسبات الفرح؟

كثيراً ما أسأل نفسي هذه الأسئلة، خاصة في الأعياد والمناسبات المهمة، وأنا أشهد، في السنوات القليلة الماضية، جواً من الكآبة يهبط على وجوه الناس وسلوكها في الأعياد التي يفترض أنها تمنح الناس، في مجتمعنا، فرصة ثمينة للفرح، ولو قصيراً، في ظل الأخبار البائسة من حولنا وفي ظل الأرق اليومي والركض الدائم الذي فرضته علينا دوامة الحياة المعاصرة.

أم هل لا بد من «الهروب» إلى خارج بلادنا، حتى في أعيادنا، كي نستطيع أن نفرح أو نحتفل بمناسبة الفرح في بلداننا؟ أنظر كيف ينتشر الخليجيون، أفراداً وعائلات، في أصقاع الدنيا كلما سنحت لهم فرصة حتى خلال الأعياد والعطل القصيرة كي تدرك أن ثمة.

فعلاً، رغبة في الهرب للبعيد، كلما أمكن، بحثاً عن بيئة أخرى نعبر فيها عن أفراحنا وبهجتنا بالمناسبات التي تستحق الفرح. حفلات الزواج، في الغالب، صارت مثل أعيادنا أو مناسبات العزاء، لا فرق، مناسبات رسمية كئيبة و«ثقيلة دم». لماذا؟ أم أن «المزاج العام» لدينا صار كئيباً أو خالياً من جينات الفرح والاحتفال؟

لو كنت في موقع صناعة القرار لاقترحت على البلديات والمؤسسات التي تٌعنى بتشجيع السياحة أن تستثمر مناسبات الأعياد الدينية والوطنية والإجازات الإعداد لبرامج ترفيهية شاملة تضفي جواً من البهجة والفرح على الجميع. تخيل أن تمتلئ الساحات العامة في مدننا وبلداتنا في أيام العيد بالفرق الفنية الشعبية لتقديم العرضات والأهازيج الشعبية والعودة بالناس.

والمزاج العام، إلى الأيام القديمة يوم كان الناس، على الرغم من الفقر وقلة الإمكانات، يحتفلون حقاً بأعيادهم وبمناسباتهم الوطنية. لماذا تسمع كثيراً ذكريات الطفولة وأفراح العيد قديماً تردد علينا في الأعياد وكأن الفرح مر علينا سريعاً ولم يعد؟ أو كأن العيد كان هنا قليلاً ثم ذهب إلى غير رجعة؟

سيأتيك من يتساءل عن كيف نفرح بالأعياد وأخبار الحزن والحروب والفتن تحيط بنا من كل اتجاه. وكثيراً ما أسأل نفسي: ما الذي يمكن أن نغيره بمزيد من الحزن والألم تجاه ما يحدث؟ إن الفرح والاحتفال بمناسبات مهمة في حياة الناس يجب ألا تكون حالة مشروطة بانفراج أزمات الأمة الكثيرة والتي ظلت حية بيننا منذ مئات السنين.

إن الدعوة للفرح البريء في مناسبات يفترض أن تجلب شيئاً من روح التفاؤل للناس، خاصة للناشئة من أبناء مجتمعنا، هي في الواقع دعوة لفتح أبواب جديدة للتفاؤل بالحياة والخروج من قفص الكآبة العام الذي يهيمن على «مزاجنا العام» حتى في أعيادنا.

حينما تسافر خارج العالم العربي حاول أن تذهب إلى الساحات العامة والأسواق والحدائق العامة وستجد العشرات من «أنشطة الفرح» تحيط بك: عروض فلكلورية، فرق موسيقية شبابية، عازفي بيانو أو جيتار، استعراضات سيرك وأنشطة أخرى. لماذا تغيب هذه الفعاليات عن مدننا؟

أثناء الدراسة في مدينة بوسطن الأميركية، كنت أهرب من الملل ر الذي يصيبني أحياناً بعد ساعات طويلة من العزلة في المكتبة ر بالذهاب قليلاً إلى «هارفارد سكوير» ليتغير المزاج، خلال دقائق قصيرة، فأعود إلى المكتبة أكثر حماساً للمذاكرة أو الكتابة. فكل ما يحيط بك في تلك المنطقة يحفز على الفرح والتفاؤل، أنشطة بريئة ومجانية ترسم الابتسامة على وجوه الناس وتحفزهم على التفاؤل وتعيدهم إلى مزاج العمل والتفكير الإيجابي.

أنظر للمناخ العام حول جامعاتنا ومدارسنا كم هو كئيب وباهت. ولهذا أكرر السؤال دائماً: ما الذي يعيق إعداد أنشطة عامة، وفتح الأبواب أمام الهواة، من أجل رسم لوحات فرح، وإبداعات فنية، في الأماكن العامة، في الحدائق العامة، وساحات الجامعات، والأسواق؟ هذه الأنشطة قد تسهم في «رفع الحظر» عن ممارسة الفرح العلني المفروض على «مزاجنا العام» منذ عقود!

إن الإصرار على الفرح هو إصرار على الحياة وعلى مواجهة أولئك الذين يسعون لاستغلال هذا «المزاج العام» الحزين لشحن مشاعر الكره والبغض والفتن في مجتمعاتنا التي يحاصرها الحزن من كل زاوية. فهل نستثمر فرصة قدوم رمضان لتدشين مرحلة جديدة من الفرح والتفاؤل؟ وهل نأمل أن تأتي خطبة العيد القادم بمضامين جديدة تدعو للفرح وللتفاؤل بالمستقبل والحياة؟ وهل نتفاءل أن تشهد مدننا وقرانا بعض ملامح الفرح البريء بمناسبة فرح مهمة أسمها «عيد الفطر»؟

رئيس تحرير مجلة فوربز العربية

hattlan@post.harvard.edu