ما وصفته أوساط أميركية بأنه أهم تقرير يرفعه جنرال أميركي إلى الكونغرس، منذ فيتنام؛ تبين أنه ليس كذلك تماماً، على الأقل ليس من الصنف غير الاعتيادي. فالصورة التي قدمها الجنرال بتريوس مع السفير الأميركي في بغداد، حول الوضع العراقي؛ لم تحمل شيئاً خارج التوقعات. ما جاء به كان في التداول، منذ أيام. خلاصته أنه أعطى الرئيس بوش ما يكفيه.
وفي الوقت ذاته بدا وكأنه أعطى خصومه الديمقراطيين، شيئاً من مطلبهم. الأول نال ما يعزز موقفه لشراء المزيد من الوقت. والفريق الثاني، أخذ وعداً بخفض جزئي للقوات الأميركية في العراق؛ في غضون شهور. أما العراق فلم يأت التقرير، لا بالتصريح ولا بالتلميح، بما يؤشر إلى اقترابه ولو قليلا، من أي انفراج.
قائد القوات الأميركية في العراق حذر الكونغرس من مخاطر أي استعجال للانسحاب؛ على أساس أن ذلك ينطوي على «مضاعفات مدمرة». دعا إلى المزيد من الوقت والمثابرة. طلب من الكونغرس، بالتحديد من الديمقراطيين الضاغطين باتجاه الإسراع في جدولة الانسحاب، تأجيل طلب خفض القوات، حتى مارس المقبل؛ وذلك على أرضية الصورة المشجعة التي رسمها على الصعيد الأمني. شدد على ما وصفه بحصول تحسن، جيد ولو غير شامل، في هذا المجال. «لا حلول سريعة ولا أجوبة جاهزة»، يقول بتريوس: وليس هناك غير الصبر ومواصلة بذل الجهود «على المدى الطويل».
رفض الديمقراطيون هذه الخلاصة. البعض ذهب إلى حدّ إدانتها. وبذلك دخل الموضوع طوراً جديداً من الجدل، في واشنطن. من هذا الباب يدخل الملف العراقي إلى ساحة حملة انتخابات الرئاسة؛ ليصبح مادتها الرئيسية. الرئيس بوش، مع حزبه الجمهوري يأخذ من نبرة التقرير المتفائلة ـ أمنياً ـ غطاء لتعويم سياسته وتوظيفها انتخابياً؛ بالتالي. الحزب الديمقراطي يمضي في الرهان على العكس؛ بحيث يمكنه تجيير الفشل، الذي يتوقع المزيد منه، لصالح مرشحه الرئاسي.
وهكذا، لم يجلب التقرير الترياق من العراق؛ كما أوحى الحديث عنه خلال فترة انتظاره. بيت القصيد فيه أن القوات الأميركية باقية، في العراق، حتى إشعار آخر.
وأنه ليس في الجعبة الأميركية ما يتجاوز التعويل على الحلّ الأمني. الرئيس بوش أخذ من بتريوس ذخيرة سياسية، للمضي في هذا الخط. خصومه في الكونغرس لا يملكون الثلثين من الأصوات لكسر الفيتو الذي يلوّح به ضدّ أي قانون يجبره على جدولة انسحاب سريع، من العراق.
التقرير، إذاً، جاء وكأنه يقول لا قرار جديداً في واشنطن. والأمور بالتالي باقية على ما كانت عليه من حيث التعامل مع معطيات وتعقيدات الساحة العراقية.
الأمر الذي يعيد طرح الكرة، مرة أخرى، في ملعب القوى العراقية المختلفة. تجربة سنوات الاحتلال بكل أكلافها ومعاناتها وانسداداتها، تؤكد يوماً بعد يوم أن التوافق الوطني العريض هو بوابة الخلاص؛ وكل المراهنات الأخرى وهم. واشنطن تقرر وفق مصالحها. الموالي فيها والمعارض يلتقيان عند هذه النقطة. هل يقرر العراقيون ما يخدم مصالحهم؟
