لم تكن الشهادة التي قدمها قائد القوات الأميركية في العراق الجنرال ديفيد بترايوس والسفير راين كروكر في جلسة الاستماع امام الكونجرس أمس تستحق مانالته من ضجيج إعلامي وترقب سياسي في ضوء ماكان منتظرا منها على صعيد الاستراتيجية الأميركية المقبلة في العراق، وهي الاستراتيجية التي كان من المتوقع أن تثير مواجهة عاصفة بين بوش والكونجرس، وتعيد حسابات الإدارة الأميركية مع التصاعد المقلق لأعمال العنف في العراق، وتزايد عمليات القتل والتصفية الطائفية، ودرجة الاحتقان السياسي داخل حكومة المالكي التي أدت إلى انسحاب وزراء كتلة التوافق السنية، وتعليق مشاركة مجموعة اياد علاوي كذلك.

مما أدي، ولأول مرة لأن يلوح بوش بسحب ثقته من تلك الحكومة. إلا أن شهادة الرجلين المشرفين على تنفيذ الخطط الأميركية في العراق بشقيها السياسي والعسكري، لم تكن الا شهادة تجميل و"بروباغاندا" للدفاع عن استراتيجية بوش الأخيرة. والدعاية لها في الكونجرس حيث موقع ضعف الجمهوريين وقوة الديمقراطيين.

بالأمس فقط، وبالتزامن مع جلسة الشهادة في الكونجرس سقط تسعة جنود أميركيين قتلى في العراق، في حين كان السفير كروكر يعلن انه من الممكن تحقيق الأهداف الأميركية في العراق واحلال السلام فيه. مشيرا إلى ان "قيام عراق آمن ومستقر وديمقراطي يعيش بسلام مع جيرانه هدف يمكن تحقيقه". رغم اعترافه بالصعوبات علي صعيد "مسار التطورات السياسية والاقتصادية والدبلوماسية" التي قال إنها تسير قدما.

أما مسألة الانسحاب الأميركي من العراق، والتي كانت محك رهانات المراقبين من هذه الشهادة، فلم تشهد مفاجأة هي الاخري، فالجنرال كروكر اوصى في جلسة الاستماع بعملية تخفيض أولي للقوات تشمل اربعة آلاف جندي في ديسمبر تليها عمليات تخفيض تدريجية لتصل الصيف المقبل الى المستوى الذي كانت عليه القوات مطلع 2007 اي 130 الف عنصر.

مما يعني أن الخفض المنتظر هو فقط بالعدد الذي تمت به الزيادة الأخيرة، وكروكر بهذه التصوية يريد ايصال رسالة بوش وفريقه لأعضاء الكونجرس والرأي العام الأميركي الناقم على سياساته، مفادها "نجاح المهمة" التي من أجلها تمت صياغة الاستراتيجية الأخيرة.

مسألة أخرى مهمة أثارتها هذه الشهادة، وهي محاولة الهروب من لب المأساة العراقية، وهي المسألة المتعلقة بالحرب الاهلية، وكأن العنف الطائفي شأن داخلي بسيط يتعلق بالعراقيين، وليس شأنا أمريكيا تتحمل إدارة بوش وزره، بقدر ماتتحمل مسؤولية إعادة الأمن والاعمار لهذا البلد.