تفصلنا عن شهر رمضان المبارك أيام قليلة وربما ساعات، وبطبيعة الحال فإن مجتمع الإمارات يستعد كأي مجتمع مسلم من خلال أفراده ومؤسساته لاستقبال هذا الشهر الفضيل بما يليق بمكانته والواجبات المفروضة فيه. ومن الاستعدادات التي تسعدنا وتهيئنا حقيقة لاستقبال هذا الشهر، الأنشطة الدينية والثقافية التي تقوم بها بعض المؤسسات الخاصة والحكومية التي لا تألو جهداً في التنسيق لفعاليات رمضانية تجعلنا نستشعر أجواء شهر الصيام والعبادة.
لكن ما نستغربه وسط كل هذه الاستعدادات التي تتلاءم وطبيعة شهر رمضان، أن وسائل الإعلام في الدولة باتت تتسابق في الإعلان عن مسلسلات وبرامج ترفيهية أصبحت إعلاناتها تملأ الشوارع لدرجة أن الواحد منا أصبح وهو يتجول مع أفراد أسرته وأطفاله يشعر بأنه بصدد حضور مهرجان سينمائي، الأمر الذي يعطي انطباعا لدى العامة بأن استقبالنا لهذا الشهر منحصر في متابعة مسلسلات جديدة أصبحت الشغل الشاغل لمعظم أفراد المجتمع.
أو في إعداد موائد الطعام تلك التي ازدحمت بسببها محلات البقالة والجمعيات التعاونية التي يقبل عليها الأفراد والأسر وكأنهم مقبلون على مجاعة حقيقية لا على شهر نؤدي فيه خير العبادات وأحبها إلى الله ـ عز وجل ـ .
البرامج الإعلامية المصاحبة لرمضان في السنوات الأخيرة تركت آثارا سلبية على الأجيال الجديدة التي لم تعد تعرف عن رمضان سوى صيامه والأكل والتلفاز وقضاء معظم الأوقات في الخيم الرمضانية والمقاهي حتى ساعات الفجر الأولى، أما المفاهيم الإسلامية والاجتماعية التي تربينا ونشأنا عليها منذ صغرنا، والتي كان جلها منحصرا في تأدية العبادات وزيارة الأرحام وغيرها من الواجبات.
فقد تراجعت إن لم تكن اندثرت عند الجيل الجديد، فلا دعوة إلى صلاة التراويح تجدي معهم، ولا رغبة في حضور نشاط ديني أو ثقافي باتت تجذبهم وسط ملاه تقدم لهم على طبق من ذهب. والأكثر أننا أصبحنا غير قادرين على ضبط سلوكيات الأبناء خاصة إزاء الإعلام الذي أصبح يفرض علينا في وقتنا الحالي نمطاً من الأفكار والمبادئ وأساليب التربية وإن كانت تتعارض مع كل ما نطمح ونسعى إليه.
نتساءل: ما الذي يجعلنا نستقبل رمضان بهذه الحملة المكثفة من المسلسلات والبرامج التي ننفق عليها ميزانيات ضخمة في مقابل عائد لا يكون في الغالب إلا سلبيا، متمثلا في تضييع وقت، وتهميش عقول، وتغيير مفاهيم ومبادئ أصبحنا نفتقدها في هذا الوقت بأيدينا لا بأيدي غيرنا؟
لسنا ضد البرامج الهادفة التي تحمل رسالة إنسانية أو اجتماعية، ولسنا ضد قضاء وقت نتسلى فيه أمام التلفاز، ولكن لماذا نجعل إنفاقنا الأكبر من الأموال والأوقات في شهر رمضان على ممثلين وممثلات معظم أعمالهم لا تجلب إلا الضيق والكدر بسبب مبالغة من يكتبون قصصها، ومن يمثلونها؟
حديثنا ربما يأتي في الوقت الضائع الذي لا يسمن ولا يغني من جوع خاصة وان تلفزيوناتنا باتت مستعدة لعرض مخزونها، لكن ما نرجوه من أفراد المجتمع بصفتهم أشخاصاً مسؤولين وبصفتهم أولياء أمور أن يعوا ما يحدث أمامهم فيبادروا لحماية عقول وأوقات أبنائهم منه، ليس في رمضان فحسب بل طوال العام فهم أمانة.
