التوتر الجديد الذي نشب مؤخراً بين الإدارة الأميركية والوكالة الدولية للطاقة الذرية على خلفية الاتفاق الأخير بين الوكالة وإيران على جدول زمني لمعالجة النقاط العالقة في الملف النووي الإيراني، يؤكد من جديد أن النظرة الأميركية الأنانية إلى العلاقة بين الإدارة الأميركية وبين المنظمات الدولية هي علاقة إملاء أميركي وقبول دولي.

حيث تنظر إلى مجلس الأمن الدولي باعتباره مجلساً للأمن الأميركي، وللبنك الدولي برئيسه الأميركي على أنه بنك أميركي يمنح لمن تريد ويمنع عمن ترفض، وبالتالي ينظر بنفس النظرة إلى الوكالة الدولية للطاقة الذرية حتى لو كان مديرها مصريا وليس أميركيا.

ما وراء غضب واشنطن الحالي من الدكتور «محمد البرادعي» مدير الوكالة الدولية للطاقة الذرية ناتج في الأساس من تلك النظرة الأميركية الملتبسة بين الإدارة في واشنطن والمنظمة الدولية في نيويورك.

وبناء على ذلك أميركا غاضبة من محاولات مجلس إدارة الوكالة الدولية ومديرها عدم قبول التحول إلى أداة للسياسة أو عصا غليظة في أيدي الإدارة الأميركية ضد الدول المغضوب عليها من واشنطن.

ولأن واشنطن حين تعلن غضبها على دولة من الدول خصوصاً إذا كانت عربية وعلى الأخص إذا كانت إسلامية أحياناً بالحق وغالباً بالباطل، تريد من مجلس الأمن الدولي، ومن كل دول العالم أن تغضب من هذه الدولة بالحق والباطل كصدى للغضب الأميركي وإلا..!!

واشنطن حين تعلن تأييدها لدولة أو لنظام أو لرئيس حكومة خصوصاً إذا كانت هذه الدولة هي إسرائيل، أو كان هذا النظام غير ديمقراطي، أو كان هذا الرئيس غير شرعي، تريد من مجلس الأمن أن يؤيد أيضاً بالحق أحياناً وبالباطل غالباً، ومن كل العالم أن يتغاضى عن كل مخالفاته للقانون الدولي أو حتى للدستور أو القانون المحلي، خصوصاً عن البرنامج النووي العسكري الإسرائيلي، وأن يعاقب فقط البرنامج النووي السلمي عربيا كان أو إسلاميا، وأن تؤيد كل ما تؤيده أميركا وإلا..!!

واشنطن الغاضبة والمتوجسة من إيران «الإسلامية»، وأعلنت غضبها الآن على الوكالة الدولية للطاقة الذرية وعلى مديرها «العربي» لأنه تجاهل محاولات الهيمنة الأميركية على الوكالة، ورغبتها فى تبرير شن الحرب، والخطوط الحمراء التي تضعها لمديري المنظمات الدولية، ولم يشارك في دق الطبول ضد إيران على الأنغام الأميركية، وكانت الخارجية الأميركية عبرت عن غضبها من الاتفاق الذي وقعته الوكالة مع إيران.

ومن الانتقاد الذي وجهه مدير الوكالة الدولية لمعارضي اتفاق التعاون لحل أزمة الملف الإيراني سلمياً لإبعاد شبح الحرب، وغضبت أكثر من قول «البرادعي» إنهم «يدقون طبول الحرب»، وزادت حدة التوتر الأميركي الغاضب من قول البرادعي منذ شهرين «إن العالم يخاطر بالانزلاق إلى كارثة عالمية خطيرة بسبب بعض «المجانين الجدد» الذين يطالبون بالحل العسكري لأزمة الملف النووي الإيراني», وهو ما استقبلته واشنطن كإشارة موجهة لإدارة «المحافظين الجدد» في واشنطن.

وحيث ان البرامج النووية في كل دول العالم هي مسؤولية الوكالة الدولية، وفي الدول الموقعة على المعاهدة الدولية لحظر انتشار الأسلحة النووية فإن الوكالة هي صاحبة الاختصاص الأصيل في الرقابة على الأنشطة النووية .

وهي وحدها من يمكن له أن يقرر ما إذا كان النشاط في دولة ما سلميا أو عسكريا، وليس أميركا أو مجلس الأمن، ورغم عرض ملف الأزمة النووية الإيراني على مجلس الأمن بضغوط أميركية، إلا أنه ليس له أن يقرر في هذا الشأن شيئاً إلا بناء على تقرير أو شهادة من الوكالة الدولية للطاقة.

ورغم مطالبة مجلس الأمن بناء على الرغبة الأميركية، ان توقف إيران عملية تخصيب اليورانيوم لإنتاج الوقود النووي اللازم لبرنامجها الذي يجري تحت رقابة الوكالة الدولية وتؤكد أنه للأغراض السلمية، والذي لم يثبت للوكالة حتى الآن أنه للأغراض العسكرية.

وحيث ان أميركا لا تريد لإيران امتلاك برنامج نووي حتى لو كان سلمياً، ترى الوكالة أن إصرار واشنطن الذي يهدد بالحرب مخالف لحقوق الدول الموقعة على الاتفاقية الدولية فضلاً عن أنه يعرّض العالم لكارثة كبرى ويذكر بالحكاية الكاذبة لأسلحة الدمار في العراق، لذلك تسعى بالوسائل القانونية السلمية للتعامل مع هذا الملف بالتعاون مع الإدارة الإيرانية.. ولهذا لا تزال أميركا غاضبة بالباطل على الدكتور البرادعي، لكن هذا العالِم المصري العربي المسلم يأبى ضميره ألا يغضب إلا بالحق.

mamdoh77t@hotmail.com