لم يكن 11 سبتمبر مجرد حادث عادي، وإن كان هناك من بذل جهداً استثنائياً لتفنيد هذه الحقيقة بدعوى أن اعتبار 11 سبتمبر حدثاً استثنائياً تعبير عن الانصياع للطغيان الأميركي على العالم، بحيث تفرض على الجميع شرقاً وغرباً وشمالاً وجنوباً أن ينظروا إلى حادث وقع على أراضيها بوصفه «حدثاً فارقاً» في تاريخ العالم كله يؤرخ به المؤرخون مستخدمين تعبير «ما بعد 11 سبتمبر» . لكن الحقيقة هي أن الحادث فعلاً منعطف تاريخي له ما بعده. لكن الأهم أن الهدف من 11سبتمبر أصبح يلفه الغموض!

الجريمة والغزوة

الحادث بالنسبة لمن يسمونه «جريمة» وبالنسبة لمن يسمونه «غزوة» كان هدفه دفع الولايات المتحدة لتغيير سياستها الخارجية إما في الصراع على فلسطين، أو في العلاقة مع العالم كله، وحتى هذا الهدف كانت الصياغات المعبرة عنه ملتبسة بين ديباجات إسلامية وملامح قومية ويسارية، لكن الهدف لم يتحقق بل اندفعت الولايات المتحدة لتطيح نظامين وتحتل دولتين خلال عامين.

وتدخل صراعاً مفتوحاً دامياً كان من الضخامة بحيث فرض قيوداً في قارات العالم الخمس على تنقلات الأفراد والأموال، وحدث ولا حرج عن التأثيرات المباشرة وغير المباشرة على حرية الدعوة للإسلام والعمل الدعوي والإغاثي في العالم كله تقريباً، فضلاً عن حالة الديمقراطية وحقوق الإنسان في كثير من دول العالم، وجميعها جزء من فاتورة 11 سبتمبر.

وإذا كانت شرعية استخدام «الدولة» القوة في ميادين القتال لتحقيق أهدافها محل جدل كبير، فإن هناك أهمية كبيرة جداً لأن يكون لنا تقييمنا لشرعية استخدام القوة خارج ميادين القتال ومن أطراف أقرب إلى الأشباح، فلقد أصبح هذا موضوعاً أكثر إلحاحاً بعد أن تكررت 11 سبتمبر مرات عدة كل منها استهدف تغيير سياسة الدولة التي حدثت فيها وأهمها:

11 سبتمبر مدريد (2004) لإسقاط حكومة موالية لأميركا، و11 سبتمبر لندن (2005) لإرغام بلير على تغيير سياسته في التحالف مع أميركا، فضلاً عن شظايا أقل حجماً في بالي والدار البيضاء وعمان وغيرها من المدن شمالاً وجنوباً وشرقاً وغرباً.

وبناءً على موقف كل شخص من مدى شرعية هذا العنف يكون اختياره للقاموس السياسي والمعرفي الذي يستخدمه، لكن ما هو أخلاقي وإنساني لا يجوز أبداً أن يكون محل اختيار، ولا يجوز أن يكون موضوع مواءمة أو مواربة أو تبرير، بل يكون الموقف منه ناصعاً أو ملطخاً، حيث لا مكان لحل وسط على طريقة الشاعر الكبير نزار قباني عندما قال:

لا توجد منطقة وسطى ما بين الجنة والنار

التصويت انفجاراً

مع تطور النظم السياسية المعاصرة كان الاتجاه هو لتغليب «الإجراءات» على الصراع حيث الاختيار عبر صناديق الانتخابات والاحتكام للقضاء واحترام إجراءاته وفي العلاقات الدولية الالتزام بالتفاوض والحوار طريقاً لحل المشكلات، وما تحاول السلسلة المتعاقبة من حوادث 11 سبتمبر إعادة عقارب الساعة للوراء لتدار العملية السياسية بالقنابل، وهو نوع من «التصويت» طوى العالم صفحته وليس مستعداً لأن يعود إليها أبداً.

و11 سبتمبر الأسباني أطاح حكومة أزنار المتحالف مع الولايات المتحدة وأتى بخصمه السياسي اليساري الماسوني المعادي لأميركا ثاباتيرو، حيث وقع الانفجار قبل ساعات من ذهاب الناخب الإسباني لصندوق الانتخابات.

أما 11 سبتمبر الألماني الذي أحبطته السلطات الألمانية قبل أيام فكان هدفه تغيير موقف الحكومة الألمانية من مواصلة المشاركة العسكرية للقوات الألمانية في أفغانستان، وهي من ناحية أخرى كانت معدة للتنفيذ عشية ذكرى اعتداءات 11 سبتمبر في الولايات المتحدة. والتعبير الأهم في التعليقات الرسمية الألمانية كان قول المستشارة أنجيلا ميركل: «التهديدات الإرهابية ليست أمراً خيالياً، بل واقع بالنسبة إلى ألمانيا أيضاً، وعلينا أن نستخلص العبر منها» فهل نستخلص نحن العبر؟

البصمات السوداء

البصمات السوداء المنسوبة للمسلمين - كل المسلمين - هي الهدف الوحيد الذي تحقق من هذه السلسلة من التفجيرات، فهناك الآن في ذاكرة عدد من الشعوب بصمة حادث كبير دموي ينسب للمسلمين وتستخدم شعارات إسلامية لتسويغه، وحدث ولا حرج عن التأثير الإعلامي المدمر على صورة الإسلام والمسلمين، فهل هذا هدف مشروع؟ وهل كان مقصوداً أم حدث كنتيجة عرضية؟

إن في الغرب دوائر استشراقية وإعلامية وسياسية تعمل منذ عقود لتكريس صورة نمطية عن الإسلام والمسلمين طالما بذلنا جهوداً «نظرية» لتفنيدها بوصفها مغلوطة فإذا بنا - أو على الأقل البعض منا - يعود لتبني ما يؤكد أن هذه صورتنا الحقيقية، وهذه الحوادث وفرت لهذه الدوائر الاستشراقية والإعلامية الشواهد التي تثبت صحة هذه الاتهامات، فهل نحن فعلاً عدوانيون نتبنى فكراً يدعو لاستباحة خصومنا أو حتى أعدائنا؟ أم لأننا مسالمون مضطهدون تلصق بنا تهمة العنف زوراً وبهتاناً؟

إن موقفنا العلني من 11 سبتمبر الألماني وأشباهه هو اختبار حقيقي لمدى استعدادنا «جدياً» لأن ننحاز إلى الصف الذي يجب أن نقف فيه، فلا الانحياز الأميركي لإسرائيل، ولا التحالف البريطاني مع الولايات المتحدة، ولا الوجود العسكري الألماني في أفغانستان، ولا المشاركة الكورية أو اليابانية، في إطاحة النظام العراقي، تبرر تكرار 11 سبتمبر في أية عاصمة في العالم.

والمردود لا يقتصر على تحسين صورة الإسلام كدين وصورتنا كشعوب - وهو بحد ذاته مردود كبير ومهم - أو إعادة التوازن للاختلال الشديد لرؤيتنا للأولويات والوسائل المشروعة لتحقيق الأهداف، بل يمتد ليغلق باب فتنة إذا فتح على مصراعيه فسوف ينشر في ثقافتنا وباء العنف في العلاقات كافة في حياتنا، وصولاً إلى العنف داخل الأسرة الواحدة.

والمؤشرات تتصاعد أمام أعيننا دون أن يكون لدينا رد الفعل الذي يشير إلى جسامة الخطر المحدق بنا، ويكفي أن نتأمل ما ينشر في صفحات الحوادث في بعض الصحف العربية عن «جرائم الشرف» وما يسمى «القتل لأتفه الأسباب» لندرك أن العنف يزحف كالطوفان، والبعض دون أن يدري ـ وبحسن نية ـ يوارب له الأبواب.

والسؤال الأهم في النهاية: لماذا تكررت 11 سبتمبر سواء كانت «جريمة» أو «غزوة» ؟

كاتب مصري