في الغرب حالياً تنمو أو تتنامى ظاهرة الاستهتار برموز الفكر الديني الإسلامي، خاصة الأكثر قدسية فيه بعد الخالق. بدأت برسوم كاريكاتيرية مهينة للنبي الأكرم صلى الله عليه وسلم في إحدى الصحف الدنماركية وانتشرت في بعض وسائل الإعلام الأخرى ووصلت (حمى) تلك الظاهرة الآن حتى إلى صحافة مجتمع دولة تعتبر معتدلة أو محايدة في التعامل مع القضايا والأمور والثقافات الدولية، إنها مملكة السويد.

لم تفعل الحكومة السويدية ما يجب عليها القيام به للحفاظ على سمعة السويد الحيادية المحبذة أو احتراماً لمشاعر مئات الملايين من المسلمين، بحجة احترام حرية الرأي إلى درجة تفوق قدسية مقامات الآخرين. مرة أخرى يتكرر نفس سيناريو الحكومة الدنماركية؛ لم تقدر الأخيرة على إقناع رسام الكاريكاتير ذاك بوقف التمادي على رموز الديانات الأخرى احتراماً لحرية الفكر والصحافة والرسم الكاريكاتيري!.

كما يبدو!، لا تمانع الحكومة السويدية في أن تضرب بعرض الحائط العلاقات المميزة بين السويد والدول العربية والإسلامية، وطرق الاحتجاج المحتملة، والتي بمجملها أصبحت لا قيمةً عمليةً لها بسبب إخفاقها في التصدي الفعال للحملات الغربية المحمومة المتعددة الأشكال بين الحين والآخر.

إخفاقات إسلامية في وقف الحرب المعلنة والوقفات السياسية والهجمات الإعلامية والثقافية والحصار في التعامل مع مجمل القضايا القديمة والمستجدة الطارئة.

حتى ان مشكلة الرسومات المشينة في الصحافة الدنماركية لم يتم حلها بشكل ناجع ونهائي واكتُفي ببعض الأعمال العشوائية من هنا وهناك. ذلك ما يفسح المجال لهواة رسم كاريكاتير آخرين أن يشتهروا على حساب كرامة المسلمين وبدعم من مبدأ احترام حرية الفكر والتعبير عن الرأي، مصطلحات يمكن استعمالها بانتقائية لأهداف ذات طبيعة مزدوجة للخير والشر.

في تصور أو سيناريو آخر ليس من المستبعد في أن دولة السويد الرسمية لا تستطيع الاستمرار في حيادها في الحرب الحديثة المحتدمة على ما يطلق بعض السياسيين الغربيين عليه «الإرهاب». لا تستطيع السويد إرسال جيش لمطاردة «الإرهابيين» أو الإغارة البرية والجوية على مواقعهم!

ولذلك فهي تكتفي بالتحرش النفسي والمعنوي بقطاع عريض من المسلمين عن طريق إطلاق العنان لبعض رسامي الكاريكاتير السويديين. إذا ما حدث احتجاج على رسم كاريكاتيري فالحجة الدفاعية موجودة ألا وهي احترام حرية الرأي والفكر. إذا لم يحدث هنالك احتجاج اعتُبر ذلك دليل رضا وربما اعتراف من جانب المسلمين باحترام قدسية!

حرية الرأي على حساب المشاعر والأحاسيس الدينية عندهم. في ذلك هنالك مجموعة ميكروسكوبية لكن مؤثرة من الذين يدافعون عن ذلك النوع من الحرية من أهل المجتمعات المستهدفة؛ طمعاً في جائزة أو شهرة، حجتهم في ذلك هي أنه «لا يمكن لرسم كاريكاتيري أن يمس عقيدة إذا ما كانت الأخيرة على درجة كافية من القوة!».

لكن الأمر لا ينطبق على رموز العقائد والفكر والأعراق وحتى النظم السياسية الأخرى الراحلين والتي تعتبر في نظر الغربيين مقدسة لا يستحسن المساس بها بتلك الطريقة الكاريكاتيرية حتى لو كان ذلك بطريقة ودية.

الحملة التشويهية على المسلمين ورموزهم المقدسة تضعهم في حالة من الحيرة، هذا فوق حالة الضعف السياسي التي يغرقون فيها. إذا ما احتج المسلمون على تلك الحملة ولو بالطرق السلمية اعتبر ذلك مؤشر ضعف وهشاشة وإذا ما ساروا في ركب مجموعة من اللبراليين المتحمسين لإيلاج المنهجية الغربية في العالم الإسلامي حتى تزداد الهجمة شراسة.

في ظل تفوق إعلامي قادر على تشويه الحقائق بل قلبها رأساً على عقب فإن الهجمة الإعلامية تصبح أكثر فاعلية حتى من نظيرتها السياسية والعسكرية التي تجري على قدم وساق في مناطق مختلفة من العالم الإسلامي. أمر يغري الكثير من أصحاب الأقلام المبدعة! في مجال رسم الكاريكاتير والكتابة الصحفية والفكرية والأدبية والشعرية!.

على الطرف النقيض قلّما يوجد في بلاد الغرب من يجرؤ أدبياً، ولو بشكل فردي شخصي، على وضع رسم كاريكاتيري على شكل خنزير لشخص متوفى حتى لو كان ذلك الشخص ذا أهمية ليست بذي اعتبار نبيل أثناء حياته، عدا عن بعد وفاته. لا يُرى رسم كاريكاتيري بهذه الوضاعة حتى لكبار الفاشيين والنازيين والعنصريين، وفي مختلف أنحاء العالم، المتوفين في الصحافة والإعلام الغربيين.

في الرد على الإعلام الغربي المحموم لا يستطيع الكتاب ورسامو الكاريكاتير المسلمون الرد السافر بالمثل بسبب طبيعة الثقافة العربية والإسلامية التي تتسم باحترام أفكار ومبادئ الغير حتى لو كانت في تعارض عقائدي واضح معها.

الرسام الكاريكاتيري المسلم لا يمتلك نزعة عدائية ضد رمز عقائدي مهما كانت درجة التعارض الأيدلوجي والفكري، كي يرسم مثلاً كاريكاتيراً لرمز ديني قديم أو حديث أو صنم مؤله وتمثيله بحيوان دنيء السمعة والشكل والتصرف لديه. لا يوجد في المجتمع الإسلامي تقبل لمثل هذه الأقلام المبدعة!

بهذا الشكل. ذلك ربما شجع الروح والقريحة الإبداعية! لدى رسامي الكاريكاتير الغربيين، خاصة الإسكندنافيين، الذين وجدوا أن «حملتهم» على الفكر والمعتقد الإسلاميين مثل طريق ذي اتجاه واحد يسيرون فيه بلا إشارة للوقوف أو التوقف أو الفرملة أو العودة عنه.

زيادة على ذلك فإن احتجاجاً إسلامياً حاشداً، لكنه خجول، يجعل من أصحاب الكاريكاتير مثل أبطال عالميين يشار إليهم بالبنان ويجعلهم يتبوأون مكانة صاخبة في مجتمعاتهم وربما تاريخية فيما بعد، خاصة بعد وفاتهم عندما تذكرهم الأجيال القادمة على أنهم دعاة بل أبطال تحرر فكري وعقائدي واجتماعي وباتباع أسهل وأرخص الطرق في مجال إبداعهم!.

الاستمرار في عملية استفزاز مشاعر المسلمين برسوم كاريكاتيرية مهينة على أكبر رمز مقدس خاص لدى المسلمين دليل إفلاس فكري وسلوكي وحضاري ولا يمت بصلة إلى احترام حرية الفكر والإبداع الفكري. إنه دليل إفلاس سياسي واجتماعي ومهني من جانب الذين لا يمانعون في تمادي تلك الأقلام في ذلك الاتجاه الإبداعي!.

يضاف ذلك إلى الإفلاس المتعاظم الذي تواجهه الحملة الحديثة على ما يوصف بالإرهاب والتي ذهبت وسائل الإعلام كثيراً إلى حد اعتبار الإسلام مصدراً توجيهياً وتربوياً وتعبوياً للعنف فيه بهدف التشويه والتأثير السلبي عليه. تواجه الثقافة العامة في الدول الغربية بشكل عام حالة تراجع بل إفلاس عند التعامل مع القضايا التي تخص احترام حقوق الإنسان بشكل فردي أو جماعي. سماح المسؤولين لمبدعي!

الرسم الكاريكاتيري بقذف رموز الآخرين المقدسة يشبه حالة رجل سادي أرعن يحض الأولاد «السذّج» على إلقاء القمامة على الآخرين من الجيران أو عابري السبيل، ليتسلى برؤية رد الفعل لديهم، بدلاً عن ثني هؤلاء الأولاد عن أعمالهم.

المؤسف حقاً أن حالة الإفلاس لا تسري فقط على بعض الدول الإسكندنافية عندما ذهبت وسائل الإعلام في مناطق أخرى من العالم إلى الوقوف العنيد مع رسامي الكاريكاتير المبدعين!

في الدنمارك والنرويج والسويد. بالرغم من أن تلك الدول والكيانات الأخرى لا تسمح بالتطاول على رموزها الوطنية والدينية الراحلين، لا لمبدعيها! في الداخل ولا لمبدعي! الكاريكاتير في الخارج، إلا أنه عندما يأتي الأمر للمساس بمشاعر المسلمين يهون الأمر عليهم.

في ذلك أتذكر عندما احتجت حكومة إسرائيل قبل سنين على رسم في وسيلة دعائية ألمانية. عندها قام رسام عادي، وليس بكاريكاتيري، برسم شكل لشخص طويل الأنف عريض الأذنين نوعاً ما؛ على الرسم تخبر شركة لوفتهانزا الألمانية للطيران الإسرائيليين عن طريق كتابة عبارة على ذلك الرسم تقول «انشرح! أيها الإسرائيلي، هنالك رحلة إضافية أسبوعياً إلى إسرائيل». اعتُبر ذلك الرسم معاداة ألمانية حديثة للسامية تعود جذورها إلى العهد النازي.

جامعة الإمارات

Nasrin@uaeu.ac.ae