تختزن الذاكرة الأميركية ظلالاً سوداوية ورمادية للمشهد العالق لانهيار البرجين، في الحادي عشر من سبتمبر عام 2001، ومع مرور سنوات، تستيقظ الذكريات على فزع الصراخ والهستيريا.
فما حدث لمدينة نيويورك، هز كل الولايات الخمسين المتبقية، فلم تعد مدينة ولا محطة تلفاز قادرة على استيعاب ما حدث، فقد ظل البعض مصابا بالدهشة، وكاد البعض أن يقول إنها عملية مونتاج كالعادة في عالم هوليوود السينمائي. بل وكان الرئيس بوش نفسه مصاباً بدهشة الحدث، فكيف يعقل أن يتم مهاجمة دولة عظمى في عقر دارها بكل هذه البساطة ؟!.
تنهار البورصة أمر ممكن، تهاجم الأعاصير ولايات كاملة أمر محتمل ومنتظر، يصاب مهووس بلوثة في الدماغ ويطلق رصاصه في مدرسة ابتدائية أو جامعة، فتلك ثقافة اعتادها الشعب الأميركي، تكتشف كميات هائلة من المخدرات، فهي حقائق أميركية لا يلتفت إليها أحد، بائس يفوز باليانصيب ويصبح بين ليلة وضحاها مليونيرا.
فهذا هو المجتمع الأميركي بلد المصائب والعجائب والفرص، يحلق الفرد الأميركي نحو الفضاء أو يخترق بلداناً وأنظمة بطوابير جواسيسه، ويرتب انقلابات ويزيح ساسة وينال من صفقات النفط والسلاح ما يشاء، وتقوم قيامة الدنيا ولا تقعد، فذلك من بديهيات السياسات الأميركية، تثار زوبعة الرئيس وفضائحه مع مونيكا أو نائب بدا عصامياً من الظاهر وإذا به «بفضائح المراحيض» كل ذلك وأمره هين، في بلد اشتهر بفضائح ووترغيت ومونيكا غيت، وغوانتانامو غيت.
كل هذه القصص والحكايات موضوعات تتسارع لها الأقلام وكتاب السيناريو، لاقتناص فرصة عرضها في صالة السينما، فهذه هي أميركا التي تحسن فن الاعلام والدعاية، فلا احد بإمكانه أن ينافس بلد الهمبرغر وماغدونالد والكوكا كولا، بلد المهاجرين والذهب والنفط والقوة والجريمة والفساد وحرية المعلومات.
فلماذا حدث هذا العمل الشنيع في عقر «الامبريالية المنتصرة على جبروت الاشتراكية؟» التي خلخلت الإمبراطورية السوفييتية خلال العقود السبعة، وهي تستنزفها في سباق التسلح والفضاء، حتى كادت الخطط التنموية للشعب السوفييتي تنهار وتتعطل، بل وجرّت الولايات المتحدة الجيش الأحمر إلى ساحة حرب مهلكة في فخ أفغانستان، لكي تضعها أمام مرأى العالم كقوة غازية امبريالية، فتثير العالم النامي ضدها وتدفع بالعالم الحر صارخا إزاء حرية الشعوب وتقرير المصير!.
هذه هي اللعبة السياسية والإعلامية وفنهما التي تجيد الولايات المتحدة لعبه بمهارة مع أشرطة بن لادن، ولكن لماذا تعطلت مهارتها وأجهزتها الضخمة في اكتشاف مجموعة التسعة عشر شخصاً الذين تحركوا في ساحاتها وشوارعها، وتدربوا بين خبرائها وتقنييها، حتى طاروا في فضاء الله وهم يهللون بحثا عن الجنة، فقد كانت «غزوة مانهاتن» انتصارا للعقل الإرهابي في اقتحام الغرور الأميركي، نعم كان غرور القوة والغطرسة وحده الذي هيمن على رجالاتها، فلم يفهموا أن الغطرسة تنتج الأعداء والكراهية، مهما كان جبروت الطرف الآخر.
لسنا هنا مع سوداوية الحدث ولا براءة الضحايا وخسارتهم، ففي كل كوارث الدنيا يموت العشرات، بل ويموت في أميركا كل عام أكثر من رقم موتى البرجين، مثلما يموت في العراق وفلسطين والسودان وغيرها من البلدان باسم الحرية والإرهاب، غير أن الحكاية هنا من عجائب ألف ليلة وليلة ومن معجزات فن الاختراق الأمني لبلد مدجج بالأجهزة، فعيونه الأمنية وصواريخه وشبكته النووية تغطي كل مساحات الحدود الواسعة في العالم، خوفا من إخطبوط الأسلحة النووية لدى الشيوعية المنهارة.
لم تهنأ الولايات المتحدة بفرح الانهيار كثيرا، مثلما لم تجد نفسها في محنة السواد والمأتم السياسي، كما هي عليه في أحداث سبتمبر، فقد طار صواب الساسة والاستراتيجيين، وكل من ناموا على أوراق سيناريوهات الفشل، بعد أن اكتشفوا البرجين يتهاويان كأوراق الكارتون.
ويتقافز الناس من الطوابق العليا بحثا عن موت ارحم من نيران تلتهم الغرف، والطوابق بكل سهولة وسرعة، فمن سمع الاصطدام من العمارات المجاورة أصيب بفزع اشد من فزع من عاشوا لحظة الوداع، إذ لم يكن خيار المنكوبين بنزعهم الأخير هناك، قادرا على منحهم فرصة التفكير المنطقي، ولا فرصة التخيل بما يمكن أن يحدث فيما بعد. من أطلوا برأسهم من نوافذ العمارات المجاورة، يحملون فزع المشهد، لحالات الهستيريا، فليس كل عقل قادرا على الركض في اتجاه الحياة في لحظة الموت.
الرئيس كان في زيارة مدرسة أطفال، وكان عليه أن يفكر ماذا يفعل عندما همسوا له بالخبر؟ وكان علينا نحن العرب أن نفتش عن حكايات الكراهية للنظام الأميركي، فاختلطت الأوراق الحقيقية، بين الموقف السياسي والإنساني، بين الشعوب وبين الأنظمة وإداراتها وحكوماتها، بين الصراعات والمواقف العدوانية وبين التأمل في كوارث البشرية، والتحرك من اجل المساعدة والإغاثة.
كان أجمل ما فينا نحن العرب اختراعنا للمؤامرة اليهودية، بسبب غياب القاطنين والعاملين في البرجين في ذلك اليوم بسبب الأعياد اليهودية! فلم نمنح للفرصة حقها فكانت عقلية المؤامرة تتملكنا بهاجس عنيف ومدمر، مثلما تملكت بعض المحللين، إن تلك الأحداث ليست إلا لعبة أجهزة محترفين، يحسنون فن اللعب بتدمير دولة عظمى عن بعد!!. تحتاج أجيال أخرى نسيان الحدث..
وتحتاج أجيال أخرى تعلم الدرس، ومن أهمها مسألة الحب والكراهية والجنون، عندما تسيطر على إرادة البشر، ويتحول الإنسان إلى وحش كاسر، لا يهمه من الربح والخسارة إلا الذهب اللامع في مدينة نيويورك المحمومة بالمال، والذي وصفها الكاتب الروسي مكسيم غوركي، عندما زارها عام 1912 بمدينة الشيطان الأصفر.
عزاؤنا في هذه الذكرى أن نهتم بموسيقى البلوز (الجاز) لذكرى العبيد والزنوج الذين قاسوا أكثر وأعمق من أحداث البرجين، فمشاعر الأميركيين في هذه الذكرى «بلوز» عميق ندركه، ولكن لا ينبغي أن يصل إلى حد الكراهية للجميع.
كاتب بحريني
