في العمل السياسي المتعلق بالحكومات الوطنية، تجري خلافات وتصفية حسابات لمصلحة الأطراف وليس للوطن، وفي الحروب الأهلية ومراحل الانتقال من سلطة إلى أخرى تجري كثير من التسويات التي توقف الملاحقات والمحاكمات؛ حتى لا يطول الجدل والخلافات لتنتقل الأزمة من حالاتها المقبولة إلى صدامات طويلة.

وبصرف النظر عن كسر القانون وحتى الحقوق القومية والوطنية، فإن طرح الحلول بتوافق عام جرى في روسيا مع يلتسين؛ بحيث لا يلاحق على أفعاله لتسهيل انتقال السلطة بشكل سلس.. وفي لبنان لم يتم تجريم عناصر الحرب أو من شاركوها ومحاكمتهم؛ لأن القضاء سيلاحق كل القيادات والأوساط الحزبية والطائفية.. وحتى فرنسا ذات الديموقراطية العريقة في تطبيق القانون، أعفي ميتران من أي مسؤوليات خالف بها القانون.. وكذلك الزعيم الفريد في تسامحه السيد (مانديلا) رفض أن يُؤخذ البيض في جرائمهم، وهو أحد ضحاياهم؛ لأنهم كسبوا المواطنة، ولابد من نسيان الماضي لبناء المرحلة الأصعب.

هذه الصور وغيرها التي لا نجد مجالاً لتعديدها، تفرض أن نُذّكر القيادات الباكستانية أن الفضاء المفتوح على تقليب الملفات بعضهم لبعض، سواء من كان مقيماً في وطنه يملك السلطة، أو من كان خارجه ويرغب العودة، تقتضي الأخذ بالتجارب نفسها، ليس فقط لتبرئة أحد ما أو اتهامه؛ ولكن لاقتضاء المصلحة الوطنية.

وهنا يجب أن نفهم أن نواز شريف الرئيس السابق لباكستان تعهد بالتزامات جازمة، سعت المملكة إلى أن تكون طرفاً في إخراجه من السجن، ولجوئه إلى الخارج.. ومن يفهم التركيبة القبلية، والحزبية، والطائفية، في باكستان يعرف أن عودته ليست لمصلحة أحد، وقد يكون التحدي سبباً في إثارة قضايا تضاف إلى تعقيدات الحالة التي تعيشها باكستان، وبالتالي إذا كانت غاية السيد نواز شريف أن يثبت لشعبه والعالم تحمل مسؤوليات ما ينوي فعله، فهذا شأنه وقراره.

إذ كان الرئيس الحالي برويز مشرف وفياً في إخراجه من السجن، وقبول وساطة المملكة، ومع ذلك فالمطلوب التراضي والمصالحة بين كل الأطراف؛ لأن إعادة التهم، وتحويلها إلى القضاء، ثم الحكم فيها لمصلحة أي من الفرقاء، يعلي مستوى القضاء، لكنه لا يحل المشكلات السياسية، وقد نرى ما هو أسوأ، وقد جرت أحداث مماثلة تسببت في تقاتل أعنف، على السلطة ومغرياتها.

المسؤولية تقتضي من الرئيسين الحالي، والماضي أن يدرسا بشكل متقن ما واجباتهما، وكيف تكون لهما مواقف الأبطال الذين يتنازلون عن مكاسبهم المعنوية والمادية لمصلحة الوطن، وبصرف النظر عن المحق والمخطئ، فالمسألة متعلقة بكثير من الاحتمالات التي نتمنى ألا تتجه إلى تفجير المواقف.

المملكة صادقت باكستان، وعلاقاتها تاريخية معها، وليست حليفاً لزعيم من دون آخر، لكنها مع باكستان الكيان الكبير إسلامياً وآسيوياً وحتى عالمياً.. ومادامت تخوض الآن معارك ضد الإرهاب، وتفتح مجالات التنمية وتغلق فوهات المدافع والصواريخ حاملة الأسلحة النووية مع الهند، فهي بحاجة إلى أن تكون زعاماتها فوق الخلافات لمصلحة الوطن أولاً وأخيراً.